
في قلب الريف بالشرقية، تختبئ حكايات مصنوعة من الخشب والألوان الزاهية، حكايات تجسد وجوه الناس وألوان حياتهم. العرائس الخشبية في الشرقية ليست مجرد دُمى، بل سجل حي للمجتمع الريفي، تحمل تفاصيل العمدة، شيخ البلد، الفلاحة، والطباخين، وتخلّد صورهم على مدار أجيال. في زمن التكنولوجيا والصخب، لا تزال هذه الحرفة تقاوم النسيان، مُحاولة أن تبقى نافذة تطل على تاريخ الريف وألوانه الفريدة فكان لـ «صوت البلد» هذا التقرير.
شخصيات الريف بين الخشب والألوان
تقول إيمان سعيد، مدير معرض الأسر المنتجة في الشرقية، إن فكرة العرائس الخشبية أصلها أبناء المحافظة، وجميع الشخصيات التي تمثلها مأخوذة من المجتمع الريفي.
وتوضح: «نستفيد من مخلفات الأخشاب لصناعة العرائس، وهو ما يجعل الحرفة صديقة للبيئة وفي نفس الوقت وسيلة لإحياء التراث الشرقي».
تتنوع العرائس لتجسد كل فئات المجتمع الريفي: العمدة، شيخ الغفر، الفلاحة التي تحمل المشنة أو البلاص، بائع العرقسوس، الطبال، راقص التنورة، المزارع وناظر المزرعة، مع جميع تفاصيل الملابس والإكسسوارات التقليدية مثل الجلابيب والكردان والعقد الكبير والحلق.
مراحل الصناعة.. من التشكيل إلى الزخرفة
وتمر العرائس بعدة مراحل قبل أن تصل إلى شكلها النهائي: تبدأ بتبطين الخشبة بلون فاتح، ثم وضعها على الماكينة الدوارة، يليها التلوين، حيث يُختار لكل شخصية ألوان الجلباب والإكسسوارات بعناية، مع إضافة الزخارف التقليدية على الملابس. أخيرًا، تأتي مرحلة الورنيش لتلميع العرائس وإبراز ألوانها الزاهية.
ويؤكد إسلام السيد عبد الرؤوف، فنان متخصص في تلوين العرائس الخشبية، أن كل الألوان المستخدمة مائية وزاهية، لتعكس الفولكلور الريفي المصري بأبهى صورة، مضيفًا أن الحرفة تحولت من هواية إلى مصدر دخل جيد له وللمهتمين بهذا الفن.
من الزينة للأطفال إلى الديكور الحديث
لم تعد العرائس الخشبية محصورة في اللعب للأطفال فقط، بل أصبحت أيضًا عنصر ديكوري في المنازل والمطاعم ذات الطابع الريفي، كما تم تطويرها لتصبح ميداليات وهدايا تذكارية.
وبفضل معارض الأسر المنتجة وشغف بعض الشباب، لا تزال الحرفة حية، رغم تهديد الانقراض الذي واجهها نتيجة تغيّر الأذواق واختفاء بعض معالم المحافظة.
التراث الشرقي على وشك الاندثار؟
بين الخشب والألوان والزخارف، تكمن قصة محافظة الشرقية مع تراثها الحي. العرائس الخشبية ليست مجرد لعبة، بل سجل بصري يوثق المجتمع الريفي بكل تفاصيله. ومع استمرار المبادرات للحفاظ على الحرفة، يبقى السؤال: هل ستنجو هذه العرائس من الانقراض لتبقى رمزًا حيًا للريف الشرقي؟
