facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


"موائد من رماد" .. واقعية السرد وأفق التلقي

نزار عبدالغفار السامرائي (ميدل ايست أونلاين:) الأربعاء, 06-سبتمبر-2017   03:09 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » "موائد من رماد" .. واقعية السرد وأفق التلقي
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

رغم تعدد الدراسات والاتجاهات بشأن الكتابات السردية، فإن متعة قراءة اي رواية تتأتى من قدرة الروائي على جعل المتلقي يندمج بالأحداث ويلتصق بشخوص الرواية لدرجة اللهفة لمعرفة الخطوات اللاحقة لها، وبالتالي فإن الوصول إلى الصفحة الأخيرة يجعلك تشعر بلحظة الفراق لتلك الشخصيات التي رافقتها على مدى أحداث الرواية.
وبقدر ما تجعلك فراغات النص تحاول استنهاض ملكة التخييل لديك لملئها، بقدر ما يسحبك الوصف المحبك الى رسم صورة ذهنية تحاول أن تستعرض عبرها اللقطات التي يرسمها الكاتب على الورق وكأنك تقرأ سيناريو لفيلم سينمائي، أو تسترجع ذكريات لا تدري ان كنت عشتها فعلا، وهكذا يمكن للحدث الروائي أن يحفز مناطق الخيال أو يقف بك عند نقطة صلدة لا تستطيع معها أن تستوعب الأحداث فتقرر التوقف عن القراءة.
في رواية لطفي جميل محمد "موائد من رماد" يأخذك سرد الأحداث الى تلك المنطقة من الذاكرة لتسترجع أحداثا ربما عشتها فعلا، أو ترددت على مسامعك، فيصبح الحدث مستفزا لذاكرتك محفزا لتخيلاتك التي تحاول صياغة النص السردي لتحوله إلى صور متحركة تتداعى في ذهنك كونها تنتمي للواقع الذي عشته فعلا.
الرواية تتحدث عن اللواء أحمد، القائد العسكري العراقي الذي يعتقله الجيش الأميركي بعد سيطرته على بغداد في أبريل/نيسان 2003، ليطلق سراحه لاحقا فيقتل على يد مجموعة مسلحة عراقية.
يبدأ النص الروائي في لحظة إطلاق سراح اللواء أحمد الذي يجد نفسه فجأة في شارع مقفر وسط بغداد، ليقف على أعتاب نصب الحرية في ساحة التحرير في مشهد رمزي معبر لتنثال تداعيات الشخصية الروائية التي تأتينا من خلال حديث راو عليم يصف خطوات الشخصيات ومشاعرها، وكأنه هي فيسحب خيال القاريء نحو صور مركزة تحدد أحيانا قدرته على التخيل لتحصره داخل صور ذهنية يتم استدعاؤها مع ترادف العبارات التي تصف المكان والزمان والشخصية ومشاعرها.
وفي لحظة ينعطف المسار السردي ليعود بنا الى لحظة إلقاء القبض على اللواء أحمد وتداعيات ذلك مع إجراءات التحقيق التي يجريها الضابط الأميركي الذي يضع اللواء أحمد امام خيارين التعاون مع الجيش المحتل أو القتل.
هذه التداعيات لا تأتي بشكل مباشر وانما عبر منعطف سردي جديد يضعنا الكاتب امامه عبر قراءة رواية أخرى تم كتابتها بقلم الضابط العراقي، ويتم قراءتها من قبل المترجم الذي يرافق الضابط الأميركي المكلف بالتحقيق مع اللواء أحمد.
وبهذا نكون أمام نصين روائيين، حدثان يسيران بشكل متواز وبترادف داخل المتن الروائي، الحدث الأول واقعي، ويتعلق باعتقال اللواء أحمد، والثاني خيالي ويتعلق بشخصية روائية لجندي عراقي يجد نفسه داخل كهف في منطقة يسيطر عليها العدو بعد هجوم مباغت.
ومع افتراض أن أحداث الرواية المتعلقة بالجندي هي خيالية كتبها اللواء أحمد بعد الحرب العراقية الإيرانية أو أثنائها فإنك تشعر عند تحليل الخطاب الروائي هي الأخرى أحداث حقيقية مرّت بالضابط العراقي، لذلك ضمنها انفعالات ومشاعر تكاد تتحدث عن ذات المشاعر والانفعالات التي يشعر بها هو في اللحظة التي يعيشها معتقلا في غرفة منفردة ببناية منعزلة لا يعرف عنها شيئا سوى أن الأميركان يتخذونها مقرا لهم.
فالكهف في الرواية التي كتبها اللواء أحمد، هو ذات الغرفة التي يقبع داخلها الكاتب في اللحظة التي يتلو فيها المترجم أحداث الرواية على أسماع الضابط الأميركي. وبهذا فإن المؤلف استطاع بلعبة ذكية أن يصف لنا انفعالات الضابط المعتقل بشكل غير مباشر عبر انفعالات الجندي عبدالله المحاصر في كهف مجهول، رغم اختلاف الزمان والمكان وطبيعة الأحداث.
وإذا كان الروائي يقدم لنا شخصية الضابط العراقي الذي يحاول البقاء وفيا لعقيدته العسكرية ووطنه فإنه بالمقابل، يتحدث عن شخصية تشعر بالانهزامية في داخلها، بعد أن أيقن أن البلد آيل الى الخراب: "كم أنا ساذج .. فبغداد تحترق وربما مدن العراق الأخرى، وأنا افكر بالطموح..! أعتقد أنني يجب أن أفكر في النجاة بجلدي، بدلا من الهلوسة الفارغة..!" (ص101).
هكذا يحدث بطل الرواية نفسه وهو موقن ان الامر لا يتعلق بلحظة راهنة بل بسلسلة من الوقائع المفجعة التي مرّ بها البلد على مدى عقود ما جعل أبناءه "يتطلعون إلى السلام والهدوء منذ زمن وبمرارة"، ذلك ان العراقي لم يذق طعم ذلك "فكان هو إما وقودا للحروب، او لحصار كان لا يختلف في ضرره عن حشرة الارضة، فهو نخرنا".
وهكذا فإن الضابط يعي كلّ متسببات اللحظة التي يعيشها، والوضع الذي أدى إلى أن يكون في الموقف الذي هو فيه، الأمر الذي جعل النص الروائي يبتعد عن الخطابية التي تستحوذ على كثير من النصوص السردية العراقية، ليقترب من تلمس الواقع، هذا الواقع نفسه الذي يجعل الاميركان يطلقون سراح الضابط العراقي الكبير، رغم رفضه لهم ولكن بعدما أصبحوا على يقين بأنه سيقتل!
وهكذا فالاميركان اذا لم يستطيعوا تحقيق رغبتهم لدى العراقيين فأن الحل ممكن ان يتوفر في خيار آخر وهو ما يمكن أن نتلمسه من تصريح ضابط التحقيق الاميركي للمترجم "لدينا خيارات كثيرة، وسنطرق أخطرها، حين نجد لذلك ضرورة، وفي الوقت المناسب..! "، "على سبيل المثال، نفكر أن ندخل جميع العراقيين في نفق يحلمون أن يخرجوا منه، وهذا ما سيضعفهم كثيرا، وستكون قواتنا في منأى عن خطورتهم".
وبهذا الشكل فإن الكاتب يتنقل بنا بين اللواء أحمد والجندي عبدالله في مسارين سرديين منفصلين، وفي الوقت نفسه يتناول الضابط الاميركي والمترجم، وان بدرجة أقل بكثير، ليحاول ان يقدم رواية متعددة الاصوات رغم هيمنة صوت الراوي على الحكاية منذ بداية الرواية حتى نهايتها.
وما يمكن أن نؤشره هنا بشأن الخطاب السردي أن الكاتب استطاع أن يكسر أفق التلقي عند القاريء فيما يتعلق بمصير اللواء أحمد، فمطلع الرواية الذي يبدأ بلحظة إطلاق سراح الضابط العراقي تجعلنا أمام توقع مسار سردي ينتهي عند عودة اللواء أحمد الى عائلته، لكن الكاتب يكسر ذلك التوقع بانتهاء أحداث الرواية بلحظة قتل اللواء أحمد على يد مسلحين يقتحمون منزله بعد أيام من إطلاق سراحه.
ولكن في الوقت نفسه فإنه استعجل في بيان مصير الجندي عبدالله المحاصر في الكهف عندما ألمح على لسان اللواء أحمد في منولوج داخلي إلى أن الجندي قد مات قبل إنقاذه، في الوقت الذي لم تستكمل قراءة الرواية على لسان المترجم، ما جعل الرواية الثانية تنتهي فعلا قبل الفصل الأخير منها، لأن القاريء استكمل ما تلى ذلك وهو يعرف مسبقا أن الجندي ميت وأن سرد الأحداث اللاحقة فقد متعته ولحظة الترقب التي يستشعرها القاريء لمعرفة مصير الجندي بعد سيطرة الجيش العراقي على المنطقة التي كان محاصرا فيها.
ورغم أن نهاية الرواية تتضمن بعض الترهل والإيغال في الوصف الذي يفسد متعة التلقي، إلا أنها كانت صادمة، وتتضمن الكثير من المعاني والرمزية، رغم واقعيتها وهو ما ينم عن تمكن في البناء الروائي إذ أن النهاية ترتبط ببداية الفصل الأول من الاحداث، وهي مفتتح لأحداث لاحقة ما بعد أحداث الرواية التي بين أيدينا، فالأمر لا يعدو أن يكون موائد مستمرة من رماد وخراب.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

حكاية فخراني .. رحلة في التاريخ ورموزه الروحانية حكاية فخراني .. رحلة في التاريخ ورموزه الروحانية

تحتاج رواية الكاتب المصري محمد موافي «حكاية فخراني» (دار الشروق- القاهرة) إلى يقظة تامة من قارئها، حتى يستطيع أن يستخلص الحكاية الذائبة في بحر مديد التفاصيل

الاعلان عن نتيجة جائزة الطيب صالح الاعلان عن نتيجة جائزة الطيب صالح

فازت رواية للأديب السوري فيصل قرطش، بالمركز الأول لجائزة "الطيب صالح" للإبداع الكتابي التي أعلن عن نتائج دورتها الثامنة، في العاصمة السودانية التفاصيل

" وداعاً للحلم الأميركي" لنعوم تشومسكي

هذا كتاب قيّم للمفكر اليساري المعروف نُعوم تشومسكي وهو آخر ما ألفه تشومسكي وصدر في شهر مايو/آيار من عام 2017 قال عنه الكاتب المبدع كرِس هَجز: إنّ التفاصيل

هل حل العقّاد اللغز الذي عاشته ميّ زيادة.. وماتت به؟ هل حل العقّاد اللغز الذي عاشته ميّ زيادة.. وماتت به؟

عادت الكاتبة الكبيرة مي زيادة إلى واجهة السجال مع صدور أعمال روائية تتناول سيرتها وشخصيتها ومنها رواية الكاتب الجزائري واسيني الأعرج «ليالي إيزيس التفاصيل

في الأساطير القديمة .. خلق الإنسان نشاط فكري أم مجرد حكايات للتسلية؟ في الأساطير القديمة .. خلق الإنسان نشاط فكري أم مجرد حكايات للتسلية؟

في حكاية الخلق يعتقد التتار البيدليون أن للشيطان يدا في خلق سيدتنا حواء، حيث ترد في الأساطير القديمة حكاية كانت متداولة بين تلك الشعوب مفادها أن الله التفاصيل

روايات القائمة القصيرة في قبضة روايات القائمة القصيرة في قبضة " البوكر"

يظل الجدل والنقاش حول الجائزة العالمية للرواية العربية "آي باف" موسماً ذاخراً بالتشويق والإثارة التخمينات والاحتمالات للمهتمين من النقاد والكُتاب التفاصيل

القوى الناعمة في الموسيقى والسينما القوى الناعمة في الموسيقى والسينما

شهدت قاعة سيدحجاب بمعرض القاهرة الدولى للكتاب إقامة ندوة لمناقشة كتاب "أم كلثوم كوكب الشرق وصوت مصر" للكاتبة إيزابيل صياح بوديس، شارك فيها د.عادل التفاصيل




البلطي يصل إلى 26 جنيها.. أسعار السمك في سوق العبور اليوم البلطي يصل إلى 26 جنيها.. أسعار السمك
ستقرت أسعار السمك "البوري والبلطي" في سوق العبور، اليوم السبت، مقارنة بأسعار الأمس.ووفقا لبيانات الموقع...
الأرصاد تعلن موعد تحسن الطقس وانتهاء الموجة الباردة الأرصاد تعلن موعد تحسن الطقس وانتهاء
قال محمود شاهين، وكيل مركز التحاليل والتنبؤات الجوية بهيئة الأرصاد الجوية إن حالة عدم الاستقرار والاضطراب في...
قبل المونديال.. 4 حلول أمام كوبر لحل أزمة الظهير ا قبل المونديال.. 4 حلول أمام كوبر لحل
منذ مشاركة المنتخب المصري في بطولة أمم إفريقيا بالجابون 2017، ولم يتوصل الأرجنتيني هيكتور كوبر، المدير الفني...
البيان التاسع للعملية الشاملة: القضاء على 7 تكفيريين وضبط 408 من المشتبه بهم البيان التاسع للعملية الشاملة: القضاء
اصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة، اليوم السبت، البيان التاسع للعملية العسكرية الشاملة "سيناء 2018"، حيث...
  طوارئ في مطار القاهرة لاشتعال عربة سحب طائرات على المهبط طوارئ في مطار القاهرة لاشتعال عربة
أعلنت سلطات مطار القاهرة الدولي، صباح اليوم السبت، حالة الطوارئ، بعد اشتعال عربة سحب طائرات "بوش باك" أثناء...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018