facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


جبران خليل جبران .. ديمومة قيمه الروحية

سجعان قزي (ميدل ايست أونلاين:) السبت, 13-يناير-2018   02:01 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » جبران خليل جبران .. ديمومة قيمه الروحية
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

تزامنَت ولادةُ جبران سنةَ 1883 مع رحيلِ الموسيقار ريتشارد فاغنر والفيلسوف كارل ماركس. إنَّـه تداولُ النبوغِ عبرَ العصور. لكنَّ سيمفونـيّاتِ الأوّلِ تَـقمَّصت في غنائـيّـة جبران، وثورةَ الثاني وَجدت صدىً في نقمةِ جبران على المجتمع. وُلد جبرانُ بالحياةِ وعاشَ بالثورةِ وقام بالفِكر.
الذي يُــقـيِّم جبرانَ استنادًا إلى المعاييرِ التقليديّـةِ، وحتّى العلميّةِ، لمدارسِ الأدبِ والفِكر والشِعر والرسْم، يَـقعُ في إشكالـيّـةِ التصنيف. فهو شاعرٌ في نثرِه، وناثرٌ في شِعره، ورومانسيٌّ في فلسفتِه، وفيلسوفٌ في رسْمِه، ومؤمِنٌ في شكوكِه.
لَم يَـلتزِم جبران مدرسةً أدبيَّـةً وعَمِلَ بقواعدِها. لَم يَختَرْ نهجًا فلسفــيًّـا واعتمَد جدلــيَّته. تكوَّنت هُويّـةُ جبران الفكريّـةُ بعدما اكتمَل نِتاجُه، فأصبح هو مدرسةً جديدةً تَلتقي فيها مجموعةُ مدارسَ وثقافاتٍ في انسجامٍ متكامِلٍ، وتَحُدُّها ثلاثةُ أبعاد: اللهُ والإنسانُ والطبيعةُ، أي مثلَّثُ الوجود؛ ويُبرِزُها مثلَّثٌ أدبيّ: التبشيريّـةُ والرمزيّـةُ والرومانسيّة في كنفِ فكرٍ فلسفيّ متنوِّع.
اغتربَ جبران من دونِ أنْ يهاجِر. ظلَّ مارونــيًّـا من بشرّي من الجَبلِ من لبنانَ من الشرق. أما الانتماءاتُ الزائدةُ إلى هويّتِه كــ"السوريِّ" و"العُثمانيِّ"، فهي مُلصَقاتُ المرحلةِ الإداريّـةِ الزمنيّـة ورواسِبُ منتدياتٍ اغترابيّة. فمتى شعبٌ يَـقتبِسُ هُويَّـةَ الّذين يَحتلّونه؟ قاربَ جبرانُ عقائدَ وتَـيّـاراتٍ سياسيّةً جَـمَّــة، لكنّه حافظَ على عَصبِه اللبنانيِّ وأَوصى بأن يُدفنَ في بلدتِه بشرّي بين الأرزِ ووادي قـنّـوبين، أي بين الوطنيّةِ والقداسة. وأصلاً، إنَّ مواطنًا بمستوى جبران خليل جبران، يُصبح هو ذاتُه أحدَ مكوِّناتِ الهويّـةِ الوطنيّـةِ والإنسانيّـة.
ألم يَـقُل جبران: "أنا لبنانيٌّ ولي فخرٌ بذلك، ولستُ بعُثمانيٍّ. لي وطنٌ أعـتزُّ بمحاسنِه، ولي أمّـةٌ أتباهى بمآتيها، وليس لي دولةٌ أنتمي إليها وأحتمي بها. أنا مسيحيٌّ ولي فخرٌ بذلك أيضًا، أنا شرقيٌّ ولي فخرٌ بذلك. ومهما أقصَتْني الأيّـامُ عن بلادي أظلُّ شرقيَّ الأخلاقِ سوريَّ الأميالِ لبنانيَّ العواطف. أنا شرقيٌّ، ومهما أُعجَب برقيِّ الغربيّين ومعارفِهم، يبقى الشرقُ موطِناً لأحلامي ومسرَحاً لأمانيَّ وآمالي".
لأنَّ جبرانَ جعلَ الإنسانَ مِحورَ فِكرِه، نَجح في تخطّي موروثاتِ بيئةِ بشرّي ولبنانَ والمشرِقِ وإغراءاتِ بيئةِ نيويورك وأميركا وفرنسا. لعِبَ "ورَقةَ الإنسان". وضَعَه، كفردٍ وجماعةٍ، فوقَ كلِّ اعتبارٍ دينيٍّ أو وطنيٍّ أو اجتماعيٍّ أو جُغرافيّ. فقارئ جبرانَ يَعجَزُ عن تحديدِ الفارقِ الفكريِّ بين ما كـتَبه في لبنانَ وأميركا، والفارقِ في المعاناةِ بين ما كـتَبه فقيرًا ومَيسورًا. انحَصرَت الفوارقُ في الصورِ والتشابيهِ والأمثلةِ من دونِ أن تَمسَّ الثوابتَ الجُبرانيّـة. واءَمَ بين تماثيلِ القِدّيسينَ في بشرّي وتمثالِ الحرّيةِ في نيويورك. فإنْ لَم يَكن الدينُ طريقًا نحو الحرّيةٍ يُمسي تمثالاً جامدًا.
ظلّ جبران متأثّـِـرًا بالإنجيلِ طَوال حياتِه لثلاثةِ أسبابٍ على الأقل: إعجابُه بأسلوبِه الطوباويّ فطَبعَ جميعَ مؤلّفاتِه، إيمانُه بتعاليمِ المسيح فعبَّر عنه في كتبِه "يسوعُ ابنُ الإنسان" و"آلهةُ الأرض" و"التائهُ" و"المجنونُ" و"حديقةُ النبيّ" إلخ... واعتقادُه بأنّـه هو أيضًا صاحبُ دورٍ رسوليٍّ فأبرزَ ذلك في كتابِ "النبيّ".
إنْ طمَحَ جبران أنْ يكونَ كتابُـه "النبيّ" زميلاً للإنجيلِ، فجميعُ كتبِ جبران تفسيرٌ وترجمةٌ للإنجيل بما يُمثِّل من ثورةٍ على الظُلمِ ومِن سُموٍّ بالإنسانِ نحو الطهارةِ والحقِّ والجَمال. جعلَ جبران إنجازاتِ يسوع في متناوَلِ الفَهمِ البشريّ. ألَّهَ المسيحَ و"أنْسَنَ" الإنجيل. سَهّلَ مرورَ الأعجوبةِ إلى المنطقِ واستقرارَها في الذاكرة. المسيحُ كلَّمَنا بالأمثالِ وجبران كلَّمَ قارئيه بالقِصص. الرسلُ الأربعةُ الّذين كتبوا الأناجيلَ أدخلوا تعاليمَ المسيح إلى قلوبِنا، وجبرانُ أدخَلها إلى بيوتِنا وصارت شخصيّاتُ الإنجيلِ منّا وفينا.
فِكرُ جبران روحانيٌّ بالشكلِ والتعبيرِ والمضمون. عبرَ تَجوالي في صفحاتِ كتبِه ما وَقعتُ على شرٍّ أو حِقدٍ أو قُبحٍ أو فُجورٍ. ورسوماتُه العاريةُ تَبعَثُ في النفسِ الخشوعَ وترفعُها إلى الأزليّةِ وكأنّها مستمَدَّةٌ مِن فكرةِ الخَلقِ. لقد تَقصَّد جبرانُ أن يَرسُمَ الإنسانَ عاريًا لينزَعَ عنه ثيابَ الأرضِ والخطيئةِ ويُـعيدَه إلى ولادتِه الأولى، إلى الطبيعةِ والطهارة.
كان جبران مؤمِنًا بالله رغم أنّه انتقدَ المؤسّسةَ الدينيّة ورجالَها ("الأجنحةُ المتكسِّرةُ"). وكان روحانـيًّـا رغم أنّه سَلكَ دربًا خاصًّا يقودُه إلى الربّ (مُجمَلُ كتبِه). ثارَ على السلوكِ ولم يَـثُر على التعاليم ("الأرواحُ المتمرِّدةُ"). كيف يكونُ جبرانُ ملحِدًا وهو نشأ في بشرّي، وتَتلمَذَ على يدِ الأب جرمانوس، ودرسَ السِريانـيّـةَ، وتَـعلّم في مدرسةِ الحِكمة؟ لقد أغنى جبرانُ مسيحيّــتَـه وعَوْلم مارونيّـتَه. لم يسعَ من خلالِ تحديثِ مفهومِ الدين أنْ يَخلُقَ مذهبًا جديدًا أو طائفةً أخرى على غرار "جان كالفن" أو "مارتن لوثر".
لكنَّ ثلاثَ فئاتٍ شَوَّهت عبثًا صورةَ جبران الروحانيّـة: المتزمِّتون دينيًّا إذ خافوا مِن فكرِه الإصلاحيِّ فزعموا أنّه كافرٌ ثم تراجعوا مع تطوّرِ العصرِ والكنيسة، والمُلحِدون إذ اشتَهَوا ضَمَّ جبران إلى صفوفِهم ومصادرةَ فِكره فوقَعوا في جدلـيّةِ التناقُض، والحسّادُ من أصدقائِه إذ هالَـتْهم شُهرتُه فـنَـقّبوا عن الصغائرِ ليحجُبوا عظمةَ جبران، وما أَفْلَحوا.
مِن كُتبِ جبران يَفوحُ عِطرُ الروحِ أكثرَ مِمّا يَفوح من بعضِ الكتبِ الدينيّة. أَقرأتُم ما قالَ في "رملٍ وزبَد": "فكّر اللهُ، فكان فكرُه الأوّلُ مَلاكًا. وتكلَّم الله، فكانت كلمتُه الأولى إنسانًا"؟
كان بوِدِّ جبران أن يكونَ حاضرًا في المِذودِ لدى ولادةِ يسوع. أخذَ على خاطرِه ألّا تَظَهرَ عليه "نَجمةٌ في المشرِق" كما ظَهرت على الرعاةِ والمَجوسِ ليذهبَ ويَسجُدَ مثلَهم ليسوع. في قرارةِ نفسِه حَلَمَ جبرانُ أنْ يولدَ بلا دَنس، أنْ يكونَ التلميذَ الثالثَ عشَرَ ليسوعَ المسيح، أنْ يَكتبَ أحدَ الأناجيلِ الأربعة، أنْ يُكمِلَ رسائلَ مار بولس، أنْ يَتعرَّفَ على المِجدليّةِ ويؤانِسَها، وأن يكونَ يوحنّا الذي أودَعَه يسوعُ أمَّه مريم وهو على الصليب: "هذه أمُّكَ".
صَنعَ جبرانُ نفسَه وإلهَه وكنيستَه ومجتمعَه وأمّـتَه. خَلقَ عالَـمًا خاصًّا به هو "بين الأرضِ والسماءِ كلام". سكنَ قلبَ الله، أخذَ النايَ وغنّى الله والإنسانَ والمرأةَ والطبيعةَ ولبنانَ فـتَبِعَته "المواكب".
يَنطبِقُ على جبران ما أوصانا هو به: "ليست حقيقةُ الإنسانِ بما يُظهِرُه لك، بل بما لا يستطيعُ أنْ يُظهِرَه، لذلك إذا أردتَ أنْ تعرِفَه فلا تُصغِ إلى ما يقولُ بل إلى ما لا يقول". وها إني أخْبرتُكم بما لم يَستطِعْ أَن يقُولَه.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

المصري عمر العقاد ينقل سديم الشرق إلى أميركا المصري عمر العقاد ينقل سديم الشرق إلى أميركا

من النادر أن ينجح روائي في وضع رائعة أدبية منذ عمله الأول، خصوصاً حين يستخدم لكتابتها لغة غير لغته الأم. وهذا ما يتمكّن من إنجازه الكاتب المصري التفاصيل

مدارات يكتبها أدونيس (المتن الذي يصير هامشاً) مدارات يكتبها أدونيس (المتن الذي يصير هامشاً)

كل دفاعٍ يتضمن الهجوم. وأحياناً يكون نوعاً من الهجوم. لنقلْ، بتعبيرٍ آخر، الهجوم هو النواة الأولى في كل دفاع حقيقي. مثلت القضية الفلسطينية وتمثل التفاصيل

نادي السرد يحتفي بالقاص حسب الله يحيى ومجموعته القصصية الجديدة نادي السرد يحتفي بالقاص حسب الله يحيى ومجموعته القصصية الجديدة

احتفى نادي السرد في الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بالقاص والناقد حسب الله يحيى ومجموعته القصصية الأخيرة (أصابع الأوجاع العراقية) في قاعة التفاصيل

كُتّاب يحملون جنسيات غير عربية..  لكنهم اختاروا لغة الضاد كُتّاب يحملون جنسيات غير عربية.. لكنهم اختاروا لغة الضاد

تضم جامعة الدول العربية (1945) في عضويتها 22 دولة، منها 12 في قارة آسيا و10 في قارة إفريقيا، ويأتي أغلب الأدب المكتوب باللغة العربية من مواطني تلك التفاصيل

إدوار الخراط كرس رواياته لقضية المواطنة إدوار الخراط كرس رواياته لقضية المواطنة

من الروائيين الذين اهتموا بقضايا المواطنة وطرحوها مرارا في أعمالهم الكاتب المصري الراحل إدوار الخراط، مما حدا بالباحث محمود أحمد عبدالله إلى اتخاذها التفاصيل

الحروفية المتنوعة في أعمال الكويتي جاسم المعراج الحروفية المتنوعة في أعمال الكويتي جاسم المعراج

يركب الخطاط جاسم المعراج مجموعة من الحروف والخطوط المختلفة في نسق متكامل برمزية وإيحاء، ليقدم بلاغة خطية جديدة في المشهد الحروفي العربي والإسلامي. التفاصيل

الألعاب الإلكترونيّة تدخل معرض القاهرة للكتاب 2018 الألعاب الإلكترونيّة تدخل معرض القاهرة للكتاب 2018

يواكب «معرض القاهرة الدولي للكتاب- 2018»، إجازة منتصف العام الدراسي. ويحرص زائروه من الطلاب على اقتناء كتب تزيد معارفهم الثقافيّة. وفي مسار توقّعه التفاصيل




" تشابُك " مسرحية سعودية تبحث عن السلام
هي المرة الأولى التي يشارك فيها عرض مسرحي سعودي ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان المسرح العربي في دورته العاشرة...
مهرجان مسقط 2018 في دورته الثامنة عشرة بحلته الجديدة مهرجان مسقط 2018 في دورته الثامنة عشرة
انطلقت فعاليات مهرجان مسقط 2018 في دورته الثامنة عشرة بحلته الجديدة تحت شعار "لنحتفل معا" والذي تستمر...
المصري عمر العقاد ينقل سديم الشرق إلى أميركا المصري عمر العقاد ينقل سديم الشرق إلى
من النادر أن ينجح روائي في وضع رائعة أدبية منذ عمله الأول، خصوصاً حين يستخدم لكتابتها لغة غير لغته الأم....
مدارات يكتبها أدونيس (المتن الذي يصير هامشاً) مدارات يكتبها أدونيس (المتن الذي يصير
كل دفاعٍ يتضمن الهجوم. وأحياناً يكون نوعاً من الهجوم. لنقلْ، بتعبيرٍ آخر، الهجوم هو النواة الأولى في كل...
نادي السرد يحتفي بالقاص حسب الله يحيى ومجموعته القصصية الجديدة نادي السرد يحتفي بالقاص حسب الله يحيى
احتفى نادي السرد في الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بالقاص والناقد حسب الله يحيى ومجموعته القصصية...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018