facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


مدارات يكتبها أدونيس (المتن الذي يصير هامشاً)

أدونيس () السبت, 20-يناير-2018   05:01 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » مدارات يكتبها أدونيس (المتن الذي يصير هامشاً)
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

 

-1-

كل دفاعٍ يتضمن الهجوم. وأحياناً يكون نوعاً من الهجوم. لنقلْ، بتعبيرٍ آخر، الهجوم هو النواة الأولى في كل دفاع حقيقي.

مثلت القضية الفلسطينية وتمثل سياسياً واجتماعياً وقومياً، الأساس والمدار في الحياة العربية أوفي معظم جوانبها، منذ قرنٍ كامل. وهي، مع ذلك، ظلت مجرد دفاع. واقعها: تشريد، تعذيب، تهديم، تخريب، سجن، قتل: وضع لا مثيل له في التاريخ البشري الحديث. ولا يزال الخطاب المرتبط بفلسطين مجزأ، إنشائياً، وعداً ووعيداً، حماسةً وتخيلات. ولا ينجح غالباً أن يضع يده على الجرح، كما يقال. ناهيك عن المراعاة، والمسايرة، والتكيف، والتدجن، والصمت.

ما الخطأ وأين هو حقاً؟ ما الصواب وأين هو حقاً، ولماذا لا يسميان، مباشرةً ؟

ما علة الانقسامات الفلسطينية– الفلسطينية، والفلسطينية- العربية وما مآلها؟ ما الذي يتقدم على الهدف الواحد المصيري فيسوغ الانقسام؟

 

-2-

كيف يصح، مثلاً، ألا نعرف، على الأقل، الصورة النظرية لمستقبل دولةٍ يموت البشر يومياً من أجلها، منذ قرابة القرن، خصوصاً أننا لا نكاد أن نعرف حتى الراهن الفلسطيني الذي تطمسه انشقاقاته وتناقضاته، نظرياً وعملياً؟

كيف تحولت «الثورة» إلى «دولة»؟ هل يمكن، من جديد، أن يتم العكس، تحويل «الدولة» إلى «ثورة»، وكيف؟

كيف ستعالج هذه الدولة التنوع السكاني المحتمل؟

ألح، من زاويةٍ أخرى، على الخطاب الفلسطيني، بحيث يتجاوز المسألة الدينية. فقضية فلسطين أوسع من أن تنحصر في البعد الديني الخاص بالقدس، على أهميته. وهو بعدٌ يعطي للمسألة الفلسطينية شأناً آخر ويقذف بها في أفق آخر. خصوصاً أنه بعدٌ يفتح صراعاً ليس بين دينٍ ودينٍ، فقط، وإنما يفتحها أيضاً داخل النصوص الدينية ذاتها، وبخاصةٍ في النص القرآني، وفي سورة المائدة، على الأخص.

أضيف أن هذا الخطاب الذي يتعلق أصلاً بقضايا واضحة، يجب أن يتخلص نهائياً من الغموض. وهو غموضٌ يتجسد في الكلام المكرر على مفهومات وهوياتٍ وقوى ليس لها أي وجودٍ حي وفعال – وليست إلا توهمات وتخيلات وتمنيات. وهي ذاتها التي تحول الخطاب الفلسطيني بخاصة، والخطاب العربي بعامةٍ، إلى مجرد مجموعة من الألفاظ، منفصلةٍ على نحوٍ كاملٍ عن الحياة وعن الواقع، وعن التجربة ذاتها.

إن على الخطاب الفلسطيني في هذه المرحلة المختلفة عن سابقاتها، أن يكون خطاب أفرادٍ يؤمنون بأفكارٍ واضحةٍ واحدة، ويتخذون قراراتٍ واحدةً واضحة، ويقومون بأعمالٍ واحدة. وذلك في حرصٍ كاملٍ على بقاء التعدد والتنوع داخل «المجتمع» الفلسطيني.

 

-3-

لا بد، في ضوء ذلك، من إعادة النظر، جذرياً، وعلى نحوٍ شامل في نوع «التقدم» الذي «يمارسه» العرب؛ فهذا «التقدم» ليس «معرفياً» وليس «علمياً» وليس «تقنياً»، وليس «اجتماعياً– إنسانياً». إنه «تقدم» الآلة التجارية– الاستهلاكية، بدءاً من استهلاك ثمار العلم إلى استهلاك الصناعة والسلاح. إنه باختصار تقدم «المعدة»، لا تقدم «الرأس». إنه «البصر» في معْزلٍ عن «البصيرة». وفي هذا ما يفسر أن «الإنسان- كفرد» في العالم العربي لا وجود له كإرادة وفاعلية تاريخية. وإذاً فإن الكلام على «حقوقه» عبثٌ ولهْوٌ. هكذا يستطيع العربي أن يضيف (من «إبداعاته»، هذه المرة!) إلى مفهومي «نهاية التاريخ» و«نهاية الحضارة»، مفهوم «نهاية الإنسان».

يستطيع الفارابي كذلك أن ينهض، من غيابه، قائلاً، مخاطباً أحفاده:

«كل موجودٍ في ذاته فذاته له، وكل موجودٍ في آلةٍ، فذاته لغيره».

والحق أن العربي، اليوم، تخطى كونه موجوداً في «آلة»، بحيث أصبح هو نفسه مجرد «آلة»: لا ذات له تدير هذه الآلة، ومن لا «ذات» له، فإن حياته تقوم، جوهرياً، على «التبعية»: ليس إلا أداةً أو لبلاباً يعرش ويتسلق.

 

-4-

لمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في أواخر السنة المنصرمة، كان على المشاركين فيه أن يشيروا إلى هذه الظاهرة التي تندر في اللغات الحية، وهي التالية:

يتقن اللغة العربية اليوم، أشخاصٌ من أصول غير عربية أكثر مما يتقنها العرب أنفسهم، بدءاً من أعلى المؤسسات الدينية مروراً بالأمانة العامة للجامعة العربية وانتهاءً برجال السياسة، وبمعظم أساتذة اللغة العربية في الجامعات والمدارس. اللغة العربية لا تموت بفعل الهيمنة التي تمارسها اللغات الأخرى، بمقدار ما تموت بين شفاه أبنائها أنفسهم.

الإنسان هو لغته. إذا ماتت، فكأنه مات. اللغة العربية – بأوضاعها، وبمحدوديات آفاقها بفعل الرقابة، والعقلية الرجعية المرتبطة، على الأخص، بحججٍ تستند إلى الدين، وبضيق المساحات التي يتحرك فيها الإبداع – إنما تعيش في حالة احتضار. يكفي أن نراجع معجم هذه اللغة نظرياً، ونقارن ما نستخدمه من مفردات هذا المعجم بما ينطوي عليه. يكفي هذا لكي نكتشف مدى تراجع هذه اللغة، ومدى انحسارها، إضافةً إلى مدى التخلف العربي في هذا الإطار.

 

-5-

السياسة أو السلطة أو التجارة، مهما كانت عظيمة لا تحفظ هوية الإنسان، وبالأحرى هوية الشعب. يحفظها الإبداع.

هكذا نرى أن العالم العربي هو الذي يكتب كتابه، وأن الحبر هنا هو السياسة، والرقابة… وهو الجهل أيضاً. الحقيقة فيه معطاةٌ سلفاً ولا حقيقة غيرها. وهذا، جوهرياً، ضد البحث والمعرفة وضد الحقيقة، وضد الإنسان في آن.

الحقيقة طريق، سؤال متواصل. استقصاء داخلي وخارجي، وليست جرعةً نأخذها، وتظل هي هي إلى الأبد. ما من أحدٍ يمتلك الحقيقة، على نحوٍ أخيرٍ وكامل ونهائي.

والذين يقولون بيننا بالعودة إلى «الأصول»، ينسون أنها أولت سياسياً واجتماعياً، بحيث أصبح النص– الأصل مطموساً بحجبٍ عديدة من التآويل والحروب السياسية والاجتماعية. وهو «موروثٌ» حوله الصراع السياسي إلى مجرد رأسمالٍ «مادي» للقبض على السلطة.

 

-6-

«الاعتقاد» من دون «انتقاد» عماءٌ فكري وإنساني. وقد حولت السياسة النقد إلى هجاء، والفكر إلى كفر. كلا ليست الأزمة التي ترج العالم العربي منذ عقدٍ من الزمن، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية فقط. إنها قبل ذلك أزمة وجودٍ … الإنسان علاقة ثلاثية: مع نفسه، مع الآخر، ومع العالم. ويفترض، إذاً، أن تكون له حياة نفسية خاصة، متنوعة ومعقدة. وهو افتراضٌ يتضمن أن صاحب هذه الحياة ليس موجوداً إلا بمقدار ما تكون حياته النفسية إعادة نظرٍ دائمة في معاييره وقدراته، في هويته الخاصة، الحميمة، والقومية العامة، واللغوية، ورغباته وآلامه، وحبه وكراهيته. لكن هل ينطبق ذلك على الأفراد العرب؟ هل لكلٍ منهم حقاً، حياةٌ نفسية، بهذا المعنى، وعلى هذا المستوى؟

ومعنى ذلك أن الفرد العربي ليس «تجددياً» في عالمه الداخلي، وفي علاقاته مع الآخر، ومع العالم. فكيف يقدر إذاً أن يكون «تجددياً» في المجتمع؟ والحق أن العرب لم ينجحوا في تاريخهم كله أن ينتقلوا تماماً من مجتمع القبيلة والعشيرة، إلى بناء مجتمع يقوم على الإنسان، بوصفه إنساناً، وعلى حقوقه وحرياته، بوصفه كائناً مدنياً. وقد دشنت القرن الحادي والعشرين أمثلة حية في تدمير الذات، وتدمير العمران، والمنجزات الحضارية.

هكذا كان «الربيع العربي» مزيجاً عجيباً من الدعوات والمواقف، الجيدة أحياناً، والكثيرة التوحش، غالباً؛ كان سوقاً لبيع «الرؤوس» البشرية، وشرائها. وقد أثبت أن الإنسان الذي لا يقدر أن يحدد نفسه إلا بماضيه الأكثر جموداً، إنما هو كائنٌ يحيا بلا حياةٍ – كأنه مجرد «آلة» أو «شيء»…

ليس القبول بتحويل الإرهاب إلى عملٍ وإلى فكر أيضاً باسم الدين، بدعوى محاربة «الكفار» وقتلهم، إلا قبولاً بالطغيان بوصفه قاعدةً للعلاقة بين الحاكم والمواطن. ذلك أنه وفقاً لهذا القبول، يكون طغياناً طبيعياً ومسوغاً، ومأموراً به دينياً، للفتْك بالبشر، «تأديباً» لهم، أو «رحمةً» بهم، أو «عطفاً» عليهم.

استطراداً يمكن القول إن التحاق السياسة العربية بالسياسة الأميركية في تبعيةٍ شبه مطلقة، لا ينبع من الحاجة إلى الاستقواء بها وإلى التسلح، فهي موضوعياً في غنى عنها، خصوصاً على الصعيد الأكثر أهميةً: الاقتصاد. وإنما تنبع بالأحرى من ثقافةٍ مترسخة في التراث السياسي. وهي ثقافة تنهض على الإيمان بأن الإنسان المخلوق يمكن أن يكون خليفةً لخالقه على الأرض، بدعوى العمل على تطبيق تعاليمه وأحكامه. وهي، إذاً، ثقافة تعلم الالتحاق بالسياسة الأكثر فاعليةً وهيمنةً في العالم.

في إطار ما تقدم يمكن القول: ماضياً، كان العالم الإسلامي حتى سقوط الخلافة في صورتها العثمانية هو الذي «يمتحن» العالم. أما حاضراً، فإن العالم هو الذي «يمتحنه».

 

 

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

إريك إيمانويل شميت: الشرّ والخير يصنعان الإنسان إريك إيمانويل شميت: الشرّ والخير يصنعان الإنسان

قد يجهل القارئ العربي اسم الكاتب الفرنسي إريك إيمانويل شميت، ولكن ما إن تذكر اسم روايته الشهيرة «ميسيو إبراهيم وزهور القرآن» حتى يستفيض حديثاً عن التفاصيل

مشروع شجار: نعم للفصحى مشروع شجار: نعم للفصحى

في المترو (قطار الأنفاق) الباريسي حظيت بمقعد وبدأت قراءة مجلة أدبية هي «الحياة الثقافية التونسية» العدد 287 كانت في انتظاري في صندوقي البريدي كهدية. التفاصيل

الروائية التركية سيما كايغوسوز ترسم صورة قاتمة لبلادها الروائية التركية سيما كايغوسوز ترسم صورة قاتمة لبلادها

في روايتها الأولى «سقوط الصلوات» (2006)، أحلّت الكاتبة التركية سيما كايغوسوز مناخاً سحرياً على جزيرة تحضر فيها التقاليد والأساطير كعنصر تشويشٍ وقلقٍ التفاصيل

في ذكرى ميلادها الخامس والثمانين..  داليدا العنقود الروحي الهش في ذكرى ميلادها الخامس والثمانين.. داليدا العنقود الروحي الهش

لعل السؤال المحير الذي يراودني دائما عند التفكير بالفنانة داليدا، إذا كانت رسائل المحبة تصل لأصحابها الراحلين مباشرة أم تظل عالقة وقتا بين السماء التفاصيل

حياة الفلسطيني بين «اللوز المرّ» ... والأمرّ حياة الفلسطيني بين «اللوز المرّ» ... والأمرّ

كتبت ليلاس طه، الروائية الفلسطينية المقيمة في أميركا، روايتها «لوز مر» بالإنكليزية وتختار تقديم حكايتها بعيداً من السياسة وقريباً جداً من الصراعات التفاصيل

جهود تجريبية لحكايات ليس فيها جديد جهود تجريبية لحكايات ليس فيها جديد

نحن الذين لم نذهب يوماً إلى مهرجان «كان»، واكتفينا بمشاهدة إبداعاته ما إن يتم عرضها في الصالات المحلية، نرفع سقف توقعاتنا عندما نسمع بأمسية أفلام التفاصيل

 باكورتان روائيتان لعراقية وسعودي في القائمة القصيرة للبوكر باكورتان روائيتان لعراقية وسعودي في القائمة القصيرة للبوكر

منذ تأسيسها خلقت الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر حراكا هاما ساهم في تطور مذهل للرواية العربية كمّا وكيفا. وبعد إعلانها عن القائمة الطويلة التفاصيل




فيلم «شكل الماء» يواجه اتهامات بالسرقة الأدبية فيلم «شكل الماء» يواجه اتهامات بالسرقة
يواجه فيلم «شكل الماء»، الذي يتصدر ترشيحات جوائز الأوسكار هذه السنة، قضية انتهاك حقوق الملكية الفكرية، حيث...
مشروع شجار: نعم للفصحى مشروع شجار: نعم للفصحى
في المترو (قطار الأنفاق) الباريسي حظيت بمقعد وبدأت قراءة مجلة أدبية هي «الحياة الثقافية التونسية» العدد 287...
الروائية التركية سيما كايغوسوز ترسم صورة قاتمة لبلادها الروائية التركية سيما كايغوسوز ترسم
في روايتها الأولى «سقوط الصلوات» (2006)، أحلّت الكاتبة التركية سيما كايغوسوز مناخاً سحرياً على جزيرة تحضر...
في ذكرى ميلادها الخامس والثمانين..  داليدا العنقود الروحي الهش في ذكرى ميلادها الخامس والثمانين..
لعل السؤال المحير الذي يراودني دائما عند التفكير بالفنانة داليدا، إذا كانت رسائل المحبة تصل لأصحابها...
 فيلم «ثلاثة أيام في كيبيرون» لإيملي آتيف فيلم «ثلاثة أيام في كيبيرون» لإيملي
كانت الممثلة النمساوية المولد، صاحبة الجنسيتين الألمانية والفرنسية، رومي شنايدر أيقونة أسطورية، أحاطت بها...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018