facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


المصري عمر العقاد ينقل سديم الشرق إلى أميركا

باريس : أنطوان جوكي (الحياة) السبت, 20-يناير-2018   05:01 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » المصري عمر العقاد ينقل سديم الشرق إلى أميركا
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

من النادر أن ينجح روائي في وضع رائعة أدبية منذ عمله الأول، خصوصاً حين يستخدم لكتابتها لغة غير لغته الأم. وهذا ما يتمكّن من إنجازه الكاتب المصري المقيم في أميركا، عمر العقاد في روايته «حرب أميركية»، التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار «فلاماريون»، بعد فترة قليلة من صدورها في نيويورك. رواية مدهشة على أكثر من صعيد، تغوص بقارئها في أهوال حربٍ أهلية أميركية ثانية يتخيّلها العقاد في مستقبلٍ غير بعيد.

وتجدر الإشارة بدايةً إلى أن أكثر من صحافي أميركي ربط هذه الرواية، لدى صدورها، بحالة الفصام الذي تشهده أميركا منذ انتخاب دونالد ترامب رئيساً للجمهورية. ففي صحيفة «واشنطن بوست»، كتب رون شارل: «على طول هذه الصفحات الرهيبة، يهدر ذلك التصادُم الذي يهابه العديد منا اليوم ويجعل من الولايات المتحدة أمّة تقسمها أيديولوجيات تتعذّر مصالحتها». وفي صحيفة «نيويورك تايمز»، كتب جاستين كرونين: «لا يسعنا، في مرحلة التمزّق المخيفة هذه، عدم اعتبار كل رواية تصوّر واقعنا المرير كوثيقة أو عمل صحفي حول مستقبلنا. «حرب أميركية» التي تروي قصة أميركا ممزّقة بانتماءات سياسية وقبلية، جديرة بالتصديق إلى حد تصبح فيه مقلِقة».

و«مقلقة» هي الكلمة المناسبة لوصف الشعور الذي ينتابنا لدى قراءة هذه الرواية. قلق يجعلنا لا نعود نعرف أين الواقعي وأين الخيالي فيها، وما يتوجّب أن نخافه أكثر من أسباب الصراع الذي تصوّره، الاحتباس الحراري ونتائجه المدمّرة أم عودة الحسّ القومي والعنصرية إلى الدول الغربية، علماً أنه من المشروع أن نهاب الاثنين بطريقة متكافئة على ضوء وضع هذه الدول الراهن.

أحداث الرواية تدور بين مطلع الحرب الأهلية الأميركية الثانية عام 2074 ونهايتها عام 2093. ومنذ البداية، يتبين لنا أن الولايات الأميركية الجنوبية تعارض أي قرار لتخفيض استخدام الوقود الأحفوري، على رغم طابعه الملوّث، وأن الاحتباس الحراري أدّى إلى غرق عدد كبير من المدن الأميركية الساحلية، ودفع الحكومة الفيدرالية إلى الانتقال إلى مدينة كولومبوس في أوهايو. وحين تتخذ هذه الحكومة قراراً بمنع الوقود المذكور، تقرر ولايات ميسيسيبي وألاباما وجورجيا الاستقلال عن الولايات المتحدة وتشكيل دولة تحت اسم «الولايات الجنوبية الحرّة»، ما يشعل حرباً شعواء بين الطرفين.

بطلة الرواية، سارة شيسنات، هي شخصية تخرج عن المألوف. فبخلاف أختها التوأم، السطحية وشديدة الأنوثة، تتحلّى بحساسية كبيرة وبملامح ذكورية. على طول النص، نتابع تطوّرها بافتتانٍ ممزوجٍ بالرعب، لكن من دون أن نتمكّن من كرهها لما ستقترفه يداها في النهاية، وهنا المأساة وأيضاً قوة الرواية التي تجعلنا نتعلّق بهذه الفتاة ونتفهّم مسيرتها وخياراتها.

في سن السادسة، تعيش سارة سعيدةً مع عائلتها في حاوية (container) تقع على شاطئ ولاية لويزيانا، حين يُقتَل والدها في تفجير انتحاري. ومع اقتراب الحرب الدائرة بين الشمال والجنوب من هذا المكان، تقرر والدتها مغادرته، فتنتقل بها وبأختها وأخيها إلى مخيّم للاجئين تراقبه في شكل ثابت طائرات بلا طيّار تمارس القتل يومياً ومن دون تحذير. وفي هذا المخيّم، تلتقي سارة بألبير غاينس، وهو رجل ملغَّز لن يلبث أن يحتضنها ويدرّبها على فنون القتال محوّلاً إياها إلى آلة فتّاكة قادرة على إبادة ملايين البشر. وهو ما ستفعله في نهاية الرواية، ولكن ليس قبل أن تفقد أمّها وأختها في ظروفٍ فظيعة على يد ميليشيات الشمال، ويتحوّل أخوها إلى معوّق إثر إفلاته من المجزرة التي ارتكبتها هذه الميليشيات في المخيّم.

ولكن قبل أن يقوم ألبير بتدريبها، يعلّمها أشياء كثيرة، منها أن سفن المساعدات التي ترسو في مرافئ الولايات الجنوبية تأتي في شكلٍ رئيس من إمبراطورية بوعزيزي. وحين يقول لها ذلك، يشير على الخارطة إلى المنطقة التي تشمل الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية، قبل أن يضيف: «حين كنتُ في سنّك، قام أبناء هذه الدول بثورة. وحين فشلت، أعادوا الكرّة مرّات عدّة إلى أن نجحوا في المرة الخامسة. وبعد انتصارهم، منحوا بلدهم الجديد اسم الشخص الذي أطلق الثورة الأولى» بإحراق نفسه.

في ثمانينات القرن الواحد والعشرين، إمبراطورية بوعزيزي هي مركز العالم، يوضح ألبير لسارة: «إن قصدتِ أي مكان على ساحل هذه الإمبرطورية- فلنقل الجزائر الجديدة مثلاً- سترين قوارب صغيرة بائسة قادمة من أوروبا. قوارب مليئة بالمهاجرين الذين يبحثون عن حياةٍ أفضل مما هو متوفّر في بلدانهم». هكذا يصوّر العقّاد لنا في روايته انقلاباً في مشهد العالم كما نعرفه، يصبح فيه عالمنا العربي ملاذ سلامٍ وثراءٍ للشعوب الأوروبية، وأيضاً مصدر تدخّل ثابت في شؤون أميركا لإطالة الحرب الأهلية المشتعلة فيها.

صحيح أن هذا السيناريو ليس جديداً علينا، إذ سبق وتخيّله الكاتب الجيبوتي عبد الرحمن الوابري بطريقة سلمية في روايته «في الولايات الإفريقية المتحدة». لكن العقّاد يشيّده بطريقة حادّة من دون أن يقع في التبسيط أو المانوية (manichéisme). ولا شك في أن تصويره «معمل» الكراهية والاقتتال في نصّه سيصدم القارئ بدقّته وصدقيته الرهيبة، وأيضاً بتلك المساحة داخله التي يرصدها لوصف جمالات عابرة ولحظات حميمة ومؤثّرة، كالمناظر البحرية في لويزيانا ونزهات سارة داخلها، بوحدها أو برفقة ابن أخيها الراوي، وروابط الصداقة التي ستنسجها مع شخصيات قليلة وتقاوم قسوة الأزمنة المذكورة أو تتفكّك بسببها. وصفٌ يأخذ كل قيمته على خلفية ذلك التجسيد الفجّ للصراع الجهنّمي الدائر في أميركا الذي يلغي الأمل والبشر معاً.

لكن بنقله مظاهر السديم الذي اعتدنا رؤيته في شرقنا إلى الولايات المتحدة، وبإسقاطه مخيّمات اللاجئين والإجراءات الإنسانية فيها داخل مشهد الجنوب الأميركي، ومعها العمليات الانتحارية بالسترات الملغومة، وعمليات التعذيب المرعبة، والطائرات بلا طيار التي تحصد الأبرياء، والمجازر التي يرتكبها مسلّحون تم تلقيمهم بمعتقدات قاتلة، يهدف الكاتب خصوصاً إلى إظهار ما تفعله قناعاتنا بنا، مهما كانت هويتنا ومكان إقامتنا. وفي هذا السياق، يكشف لماذا ينجح مسؤولو الجماعات المتطرّفة في تجنيد عدد كبير من الأبرياء اليوم، والسُبُل التي يعتمدونها لذلك.

لكن أهمية «حرب أميركية» لا تقتصر فقط على بلوغ العقاد فيها هذا الهدف، بل تكمن أيضاً في شحذه لها لغة أدبية جميلة تتميّز برقّة مؤثّرة، حتى حين يصوّر عنف الحرب الدائرة، وفي حبكه أحداث قصّتها الغزيرة بطريقة مُحكَمة وخطّه بورتريهات مقنعة لشخصياتها، وخصوصاً لسارة الفاتنة على رغم خياراتها.

أما ما يجعل منها تحفة أدبية، في نظرنا، فهو من دون شك ذلك التأمّل الثاقب والعميق المسيَّر داخلها حول مستقبل عالمنا، وفي الوقت ذاته تشكيلها صدى أو استعارة لجميع الصراعات الدائرة حالياً فيه. وهو ما يضفي عليها بعداً واقعياً ومعاصراً يعزز قيمتها الأكيدة كرواية مستقبلية خيالية.

 

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

 نصف مليون زائر لمعرض الدار البيضاء الدولي للكتاب نصف مليون زائر لمعرض الدار البيضاء الدولي للكتاب

طيلة أيامه واصل المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء انفتاحه على تجارب روائية وقصصية من العالم العربي والمغرب، كما قدّم العديد من الندوات التفاصيل

موسم «الديماغوجيا» في الجزائر موسم «الديماغوجيا» في الجزائر

في الجزائر، الجميع يتكلم في الوقت نفسه، الأصوات تتداخل في ما بينها، والصراخ يطغى على الحوار الهادئ. كل فكرة يُرفقها صاحبها بصوت عالٍ، فكلما فتح أحدهم التفاصيل

يشارك في مهرجان برلين السينمائي: «الصلاة» للفرنسي سيدريك كان يشارك في مهرجان برلين السينمائي: «الصلاة» للفرنسي سيدريك كان

ثمة آونة في الحياة يوشك فيها الإنسان على الهلاك والضياع، وآونة يواجه فيها الخواء الروحي وعدم القدرة على التصدي للذات وانتشالها من عثرتها. في هذه التفاصيل

العالم السري لفتيات يحلمن بالتمرد على سلطة الأم العالم السري لفتيات يحلمن بالتمرد على سلطة الأم

قدمت فرقة طاكون المغربية مسرحية “بنات لالة منانة” على مسرح محمد الخامس في الرباط مؤخرا، وسط حضور جمهور غفير. المسرحية تحكي معاناة أربع فتيات مع أمهن التفاصيل

معرض كائنات السينما الغرائبية معرض كائنات السينما الغرائبية

لم تكن السينما في بدايتها فنّاً، بل كانت نوعاً من السحر لخلق الدهشة وأسر الجمهور، أشبه بنافذة إلى المستحيل والعوالم المتخيّلة التي تأسر أبصار التفاصيل

من المنابع من المنابع

من الأشياء الجيدة التي تحدث لي حين أزور الديار في كل عام، هي أنني ألتقي بأشخاص عديدين قد أكون عرفتهم ذات يوم، وربما استقيت منهم بعض الملامح التي التفاصيل

 روابط الفكر والروح بين العرب و«الفرنجة» روابط الفكر والروح بين العرب و«الفرنجة»

وصاحب المؤلفات المهمة مثل البناء اللغوي للصورة في شعر محمود درويش وغيرها كثير والمبدع كاتب قصص الأطفال أيضا ليقوم بتحقيق هذا الكتاب تحقيقا رائعا لا التفاصيل




اليوم.. انتهاء قبول طلبات تشغيل 850 عاملا اليوم.. انتهاء قبول طلبات تشغيل 850
تنتهي وزارة القوى العاملة، اليوم، الخميس، من قبول طلبات تشغيل 850 عاملا إنتاج بإحدى الشركات بمحافظة بورسعيد،...
افتتاح معرض فني بدار الأوبرا افتتاح معرض فني بدار الأوبرا
يفتتح الدكتور مجدي صابر رئيس دار الأوبرا المصرية والدكتورة هالة السعيد، وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح...
جميلة بوحيرد من أسوان جميلة بوحيرد من أسوان
أكدت المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، إن الشعب المصرى والجزائري نسيج واحد منذ عهد الزعيم الراحل جمال عبد...
 نصف مليون زائر لمعرض الدار البيضاء الدولي للكتاب نصف مليون زائر لمعرض الدار البيضاء
طيلة أيامه واصل المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء انفتاحه على تجارب روائية وقصصية من العالم العربي...
موسم «الديماغوجيا» في الجزائر موسم «الديماغوجيا» في الجزائر
في الجزائر، الجميع يتكلم في الوقت نفسه، الأصوات تتداخل في ما بينها، والصراخ يطغى على الحوار الهادئ. كل فكرة...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018