facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
د. لنا عبد الرحمن
حسام أبو سعدة


في هجاء التذكّر

حسن داوود (القدس العربي :) الإثنين, 30-يناير-2017   02:01 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » في هجاء التذكّر
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

ذلك المهاجر كان عليه ألا يعود إلى بلده أبدا. السنوات التي قضاها مقيما في مهجره، وهي ثلاثون سنة كاملة، كان ينبغي أن تستمر حتى انتهاء حياته. الغرق في التفاصيل الصغيرة وعاديات الحياة رحيم ومنجّ هناك. في عمر متأخّر، وبعد ذلك الانقطاع الطويل، لا يحسن بالمرء أن يُواجه بما آل إليه الماضي، الذي سيمثل له متجمّعا منذ أن تطأ قدماه الأرض الجديدة- القديمة. من ذلك الأبنية الظاهرة من نافذة سيارة الأجرة التي تقلّه من المطار، ثم سائق السيارة نفسه الذي بدا كأنه يتهيأ للشجار، وحين وصل براكبه إلى الفندق، قفز من باب السيارة غاضبا لأنه وجد أن البقشيش قليل، بل ومهين. الفندق أيضا، الذي ليس هو الفندق الذي حُجزت له غرفة فيه. هذا اسمه كلاريدج وليس إنتركونتيننتال، وقد أشكل على السائق الغضوب الاسم الأجنبي الغريب، لكن الرجل الواقف على «الريسبشن» أذن للرجل العائد بأن يترك حقيبته هناك ريثما يرى ماذا عليه أن يفعل. كان متعبا من جراء السفر الطويل، وراغبا في النوم. لكن ها هو الآن يقف في الخارج، على الرصيف، مفكّرا ماذا يفعل، ومن أين يبدأ. إنها مغامرة تيه لم يستعدّ لها، من ذلك النوع الذي كان قد قرأ عنه، إن كان قارئا، أو شاهده في فيلم سينمائي.
لكن، كما سيتضح في ما بعد، وابتداء من تخبّطه الأول، أن ما ينتظره أعقد من مجرّد العثور على فندقه. فمنذ أن خطا خطواته الأولى ألقى به اختلاط حسّه المكاني في ما يشبه الدوار أو فقدان العقل. لم يعرف مثلا كيف السبيل إلى رجوعه عن المسافة التي مشاها، وإن لم تزد عن العشرين مترا. باب المقهى الذي خرج منه لتوّه، بعد أن مكث ثواني قليلة في الداخل، لم يعد في مكانه. ثم أن اللافتة التي فوجئ حين رأى أنها ما تزال تحمل الاسم نفسه من ثلاثين سنة، حين كان ما يزال بعد هنا، عادت بعد لحظات لتحمل اسما آخر. هل قرأ خطأ، هل تشاكل الماضي والحاضر وتداخلا حتى باتت عيناه ترى ما في ذاكرته وليس ما تريانه فعلا.
ولا نعرف إن كان هو، نستور فابريس، محظوظا أم سيئ الحظ حين، بالترافق مع ذلك الاختلاط، بدأ يشاهد من كان يعرفهم ويعرفونه. أول هؤلاء كانت ليليانا التي لم يلبث أن دخل وإياها، وهو في وسط دوامته تلك إلى المقهى. وشأن ما حصل له في الخارج، ها هو يترك ليليانا ساعيا في إثر النادل الذي لم يخرج من باب المطبخ الذي كان ولجه. ولم يتأخر عن أن يجد نفسه، بعد ولوجه بابا آخر، واقفا في الطريق من جديد. لقد ضاع مرّة أخرى، ولن يعرف كيف يعود إلى المرأة التي تركها منتظرة. لكن، ما بقي في رأسه هو يدها التي كشفت، في ما هي تزيح خصلة الشعر عن جبينها، عن فقدانها لإصبعين.
وها هو ألبرتو مانغويل، كاتب قصة ناستور فابريس، أو مخترع شخصيته، يسرع في وضعه إزاء ماضيه. ليس الأمكنة هذه المرّة بل الوجوه. ما زال هؤلاء كما كانوا، رجالا ونساء، لم يتغيّر فيهم شيء. هيئاتهم ما تزال كما هي حتى يمكن التعرّف عليهم من نظرة أولى خاطفة. السنوات الثلاثون بدت كما لو أنها انضغطت وتقلّصت، حتى أن من كان منهم يرافق ناستور لخطوات، أو يجري حديثا قصيرا معه، لا يلبث أن يغادر إلى شأنه، كأن الاثنين كانا معا بالأمس، وهما سيعاودان الالتقاء في وقت متأخر من النهار.
هي درجة من الغرابة محتملة، لكن ما ليس محتملا هو انطلاقها إلى عالم كأنه من صنيع المنامات، وإن أراده مانغويل الكاتب أن يكون تتمة لعودة ناستور فابريس إلى بلده. كان ذلك بعد أن توقّفت حافلة يقودها البروفيسور غروسمان أمام فابريس، الذي كان، في تلك اللحظة، متأبطا أحد كتبه. وإذ صعد هذا الأخير ليجلس على المقعد قرب البروفيسور، بدأ الانطلاق سريعا ومتطاولا حتى أن يوما كاملا مرّ، لا بد، قبل أن تتوقف الحافلة. هناك، في عالم المنامات الكامل، عالم الكوابيس، أو ربما عالم ما بعد الحياة، كان البشر كثيرين، مرتاحين كما ينبغي أن يكون البشر في الآخرة. لكنهم حاملون جميعهم الفساد الذي كانوه في ما سبق من حياتهم.
الرواية القليلة عدد الصفحات تبدو ساعية في أن تتسع من داخلها، أي أن تقول أكثر مما يجري به سياقها السردي. ذلك الجانب الأكثر واقعية، المتمثل بوصف ما لاقاه أصدقاء ناستور القدامى من اضطهاد على يد نظام بلدهم الأمريكي اللاتيني، يقع في وسط العالم الغرائبي الذي يسم الرواية. بدا غريبا أن نقرأ، في ذلك الذي غرّبه التخيّل، أن بابلو (وهو أحد الشخصيات العابرة) كان قد حقن بمادة مشعة وألقي من طائرة إلى البحر.
لكن ما ظلّ متابَعا حتى نهاية الكتاب هو هجاء الماضي، ذاك الذي شكّل الحنين إليه ثيمة ظلّت حيّة لأجيال روائية متعاقبة. التذكر هنا في رواية مانغويل، فعل مخيف وليس بابا للخروج إلى هناءة الماضي. ولنقل، إذ نظل في هذا الكتاب، بأن الحاضر الذي نحن فيه يجب أن نبقى فيه لأنه يوفّر التفاهة الضرورية لاستمرار الحياة.
دار الساقي تعمل على استكمال ترجمة أعمال ألبرتو مانغويل إلى العربية، وقد بدأت بكتابه المرجعي «تاريخ القراءة». هذه القراءة لرواية «عودة» متابعة أخرى لكتبه التي تصدر تباعا.
....
٭ روائي لبناني

   

التعليقات
   

المعلمة المعلمة

سخروا منه حتى خرجت السخرية من مناخيرهم، ألّفوا النكت التي استسخفت قصّة حبه لمعلّمته، رسموه رضيعا في أحضانها، وطفلا يركض على الشاطئ وهي تمسك بيده التفاصيل

الزمانُ المُستعاد أو الزمان المفقود الزمانُ المُستعاد أو الزمان المفقود

بقي هناك ما يُشير الى الدوافع المُتناقضة والعلاقة الصميمية ما بين الإنسان والحاجات التي تخدم أغراضه، وليس هناك من شك بأن الاستثناء شيءٌ عابرٌ وأن التفاصيل

السّحرية المُعقدة واستحالة السيطرة على الأشياء السّحرية المُعقدة واستحالة السيطرة على الأشياء

في البدء يأخذ النص السردي لدى ماركيز مجرياته ضمن الحياة العامة من أشياء متقاربة ومتلازمة المحتوى ويتم التعريف بحالته الإشتغالية ككيان معنون تعريفي التفاصيل

أحمد المديني باحثاً عن «ظل الغريب» أحمد المديني باحثاً عن «ظل الغريب»

من عتبة الغلاف الأخير لرواية أحمد المديني «ظل الغريب» (المركز الثقافي العربي، 2007) تبدأ اللعبة الروائية بالإيهام بالسيرية، إذ يخبر الكاتب أن بطل التفاصيل

الخوف من الكتابة الخوف من الكتابة

للكتابة غواية وإغراء، لها رهبة وهيبة، عالمها مثير، وباعث على الخوف في آن واحد، لكن أيّ نوع من الخوف ذاك الذي تثيره الكتابة في نفس الكاتب؟ هل يقتصر التفاصيل

صالح علماني : متى نكرّم المترجم ؟! صالح علماني : متى نكرّم المترجم ؟!

ما زلنا نحن العرب نباهي بتكريم الخليفة العبّاسي المأمون للمترجمين في عصره ، الذين حضّهم على نقل روائع الفكر اليوناني إلى العربيّة ، وكّل ما هو هّام التفاصيل

ضرورة الفن تكمن في معناه وغايته ضرورة الفن تكمن في معناه وغايته

يبقى أحد مقاصد الفن في كونه موضوعا لمعرفتنا الجمالية. فالفن هو الأثر الحسي الذي يتطلب تقديرا معنويا، لكنه لا يعد بشيء، سوى امتلاكه لحضور جاذب خال من التفاصيل




دعوة عربية قوية لرد الاعتبار للعقل الفلسفي دعوة عربية قوية لرد الاعتبار للعقل
دعا المؤتمر الفلسفي العربي التاسع، الذي نظمته الجمعية الفلسفية الأردنية في عمّان بين 18 و20 مايو الجاري، إلى...
تحولات النمط في القصيدة العربية المعاصرة تحولات النمط في القصيدة العربية المعاصرة
يبحث كتاب “القصيدة العربية المعاصرة.. وتحولات النمط”، للدكتور علاء الدين رمضان عن اللغة في الشعر العربي...
الكتاب الرقمي بين النبؤة والتخوف ! الكتاب الرقمي بين النبؤة والتخوف !
لعلها المصادفة، أو هي حيوية وضرورة الموضوع، هو ما تجلى فيما نشره القسم الثقافي من موقع "ميدل ايست أونلاين"...
أريج جمال تلاحق شبح فيرجينا وولف في الكنائس أريج جمال تلاحق شبح فيرجينا وولف في
"لا تفهم أبدا لماذا تأتي الهاوية قبل أن تأتي الكتابة؟" من الممكن لهذا التساؤل الذي يختم قصة "موت فرجينا"...
أبو الغيط يدين بأشد العبارات الحادث الإرهابي في المنيا أبو الغيط يدين بأشد العبارات الحادث
أدان الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، بأشد العبارات الاعتداء الإرهابي الغاشم الذي تعرضت له...

هل تتوقع حدوث اعمال ارهابية جديدة فى فرنسا؟

نعم
لا
لا اعرف






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017