facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


قراءة شعرية

فوزي كريم () الجمعة, 28-يوليو-2017   05:07 مساءا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » قراءة شعرية
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

الريفُ الإنكليزي مدهش. سرعان ما أغفل ذلك حين أصحبُ الأيامَ والأسابيعَ والشهورَ في لندن، ولكني ما أن أتركها إلى مدينة أخرى حتى يتدفّقَ أمامك بذراعين مُشرعتين، بكلِّ ما يملكُ من هضابٍ، قِلاعٍ، ألوانٍ، ومجاري أنهار، وكأنه يحتفي بزيارتك. وحدها الخضرةُ تتلاحق طبقاتٍ لا يُحيط بها حد. ولذلك من المستحيل على الرسام أن ينقلَ مشهداً طبيعياً للريف من المخيلة أو الذاكرة. حدث هذا الاحتفاء الريفي قبل أيام، حين دُعيت من قِبل قسم أدب يُعنى بالترجمة في East Anglia University في مدينة Norwich. أقلتني سيارة صديقين أحدهما الشاعر "أنتوني هاول"، الذي أسهم في ترجمة قصائدي في 3 مجاميع شعرية (سبق أن عرضتُ له وترجمتُ في عمودي هذا). الطريقُ أخذ منا قرابةَ ساعتين ونصف الساعة، استرحنا في مُنتصفه بقرية تشبه في شوارعها وبيوتها لُعب أطفالٍ بالغة الأناقة.
الجامعة تتوزع بناياتٍ فوق هضاب خارج المدينة، وعلى عشبِ الهضاب تنتشر كأزهارٍ بريةٍ ملونةٍ هيئات الطلبة، فتياناً وفتياتٍ، مستلقية تحت شمسٍ تمتص منهم رطوبة شتاء فائت. كلُّ شيء كان يُهيئ أفقاً لقراءة الشعر. في قاعةٍ داخل المبنى، خاصة بالندوات، جلستُ في مواجهة حشدٍ من الطلبة، معنيٍّ بالأدب والشعر. أربعون دقيقة ستكون لقراءة الشعر، بالنص الإنكليزي المترجم يقرأه "أنتوني"، ثم بالنص العربي أقرأه أنا، وخمسون دقيقة للمناقشة. وإلى الجوار مائدةٌ عامرةٌ بزجاجات النبيذ والمعجنات الخفيفة.
من قراءة النص الإنكليزي قطفوا المعاني والصور، وكأنها منحوتةُ "بجْماليون" التي تتمتع بكل فضائل الصورة المجسدة إلا الحياة، ثم بَعثت بها قراءةُ النص العربي الروحَ، فاتفضت القصيدة حيةً، عبر صوتِ الحرفِ، الكلمةِ، الجملة، وهو ينعم بالحركة واللحن، تُمليها عليه حركاتُ الإعراب. كانت استجابتُهم لقراءةِ النصِّ الانكليزي ذهنيةً، لأنها انصرفت للدلالة، في حين كانت الاستجابةُ روحيةً لقراءة النص العربي، لانصرافها للموسيقى. وفي فقرة المناقشة أوضحت لهم سرَّ الحياة في العربية الكامن في حركات الإعراب، وفي موسيقى الشعر، التي لا تتولد من الوزن وحده؛ لأن الوزنَ وحده ضابطُ إيقاع رياضي، بل من حرفِ، وكلمةِ، وجملةِ القصيدة، صوتاً ودلالة، التي تنتسب لهذا الشاعر بعينه، لا لشاعر سواه. موسيقى الشعر تحتاج إلى إيقاع ولحن، وهذان كامنان في أجنّةِ المعاني التي لم تُصبح كلماتٍ بعد، في داخل كيان الشاعر.
من هنا تبدو ترجمة الشعر مهمة مستحيلة أو تكاد، مع كلِّ ضرورتها التي لا سبيل إلى إغفالها. نجاحُ ترجمةِ النص الشعري يعتمد موهبتين: أمانة المترجم وقدرته على إعادة الصياغة الشعرية في لغته، ويصلحُ لها الشاعر الجيد وحده، وقدرةُ القارئ على سبر غور هذه الصياغة لبلوغ الأصل. ولكن هناك ما يستعصي على الفهم دون إضافةِ هامش.
في قراءة قصيدة Central Line، وبعد تجوال قطار الأندرغراوند بالمتحدث، يرد هذا المشهد:
وإذا ما انتصفَ الليل،
واسترختْ قدّامي فوق المقعد
سنواتُ العزلةِ والتيه،
أخرجتُ جوازَ السفر
وقضينا الليلَ نحدّق فيه.
فجوازُ السفر لدى الغربيِّ عامةً لا يعني أكثر من وثيقة، يحتفظ به كما يحتفظ بإجازة سوق. ولكنه لدى العراقي، وربما العربي عامة، حتى لو كان جوازه غربياً، يتّسعُ لمعانٍ تكاد تكون ميتافيزيقية. فهو مصدرُ إحساسٍ بنفْيه، وبانعدامِ الثقةِ بوجوده، وبخوفِه الذي ينبض في دمه، وبملاذِه الذي يثيرُ الشفقة، وببعثِ الذاكرة الملتاثة... إلخ. هذه المعاني تنبعث في كل لحظةِ عبوره لحدود؛ أية حدود. ولذلك تبدو الكلمةُ في القصيدة لا حياة فيها دون هامش إضافي.
في دعوةِ العشاء تواصلَ الحوار، ولكن مع عددٍ من الأساتذة هذه المرة. كان الحديث عن الشعر والموسيقى. قلتُ لهم إن أمي لم تكن تُحسن القراءة والكتابة، وبالتأكيد لم تكن تعزف على آلة البيانو، شأن بعض أمهاتهم. ولذلك أبدو لهم حذراً من الانتساب لما بعد حداثتهم. إلا أني منذ صباي كنتُ في حلمِ اليقظةِ أعزف على آلة بيانو. وإلى اليوم، حين يحلو لي أن أكتبَ قصيدتي على الكمبيوتر، وأتأمل جمالَ الحرف العربي يرتسم بحركته الإعرابية على الشاشة، أشعر أن أصابعي تتحرك مسحورةً على مفاتيح بيانو، سوداء بيضاء، مصحوبة بإيقاعٍ ولحن.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

الشخصيات الحقيقية للروايات العربية والأجنبية الشخصيات الحقيقية للروايات العربية والأجنبية

يعاني كتاب القصة والرواية من الشخصيات الحقيقية لقصصهم ورواياتهم – فمن الممكن أن تطاردهم هذه الشخصيات - فالراحل محمد الجمل كتب روايته من "كفر الأكرم التفاصيل

الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق

قال كافافيس شاعر الإسكندرية: عندما تشرع عائداً الى ايثاكي لا تتعجل ... تمنَّ أن تكون الرحلة طويلة ... مليئة بالمغامرات، غنية بالمعلومات ... فمثل التفاصيل

الشعر اليوناني .. محاولات للتحرر من الرّمز التاريخي الشعر اليوناني .. محاولات للتحرر من الرّمز التاريخي

الدلالات الوجدانية في الشعر اليوناني الحديث دلالات متنوعة وعديدة وهو الشعر الذي يمكن وصفه بأنه الشعر الذي احتفظ ببيئته حيث عبر عن موروثه ووقائعه التفاصيل

حين تقرأ أميركا الشعر العربي المترجم حين تقرأ أميركا الشعر العربي المترجم

لم أكنْ أتخيل أنْ تحتفيَ دار للنشْر بمؤلف، كما فعلت دار النشْر الأميركية BOA، التي أصدرتْ أخيراً ديواني «منارة للغريق» باللغتيْن العربية والإنكليزية. التفاصيل

الشاعِرُ وَالصوفِي الشاعِرُ وَالصوفِي

إذا كان الصوفي يرى بعين الغوص في الذات، الذوق والكشف لتحقيق الحلول والفناء في الذات الإلهية، وتمزيق ظلماتها وستائرها، التي تخفي أسرارها وحقائق التفاصيل

الحداثة الشعرية تستوعب الأسطورة والرمز بشكل جديد الحداثة الشعرية تستوعب الأسطورة والرمز بشكل جديد

قهرت الحداثة الشعرية ما كان مكتنزنا في النسيج الشعري القديم وفي المقابل فقد اكتشفت حدود الفهم والمقبولية في اللغة إن بقيت على حالها قديما أو ما تم من التفاصيل

ذكرى ذكرى "هاري بوتر"

عشرون عاما مرت منذ أصدرت الكاتبة البريطانية ك. ج. رولينغ كتابها الأول من سلسلة «هاري بوتر»، التي ستغدو شهيرة بعد ذلك، وتباع نسخها الورقية وغير التفاصيل




لبنان يحتفل بموسمه «الفرنسي الجميل» لبنان يحتفل بموسمه «الفرنسي الجميل»
بعدما ودّعت بيروت معرضها الفرنكوفوني السنوي قبل أسبوع، بدأت احتفالية ثقافية أخرى يرعاها المعهد الفرنسي في...
صورة مشوهة .. للشاعر سكوت ماينار صورة مشوهة .. للشاعر سكوت ماينار
مثل مهرج في معسكر الأشغال الشاقة، بذلت جهدي كي لا ينتبه لي أحد. أمرني عالم الحساب أن لا أعزف الموسيقا خلال...
رواق الفنون يشهد رواق الفنون يشهد " تفاعلات كيميائية "
انطلق الخميس 16 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري المعرض الشخصي للفنان التشكيلي خليفة البرادعي وذلك بفضاء العرض...
رسول حمزاتوف .. مسؤول عن مصير الإنسان رسول حمزاتوف .. مسؤول عن مصير الإنسان
كأنني مسكون بهذا الشاعر الجميل "رسول حمزاتوف". شاهدت أحد كتبه في معرض عمَّان الدولي للكتاب الذي اختتم مؤخراً....
بيكار معزوفة الكلمة والفرشاة بيكار معزوفة الكلمة والفرشاة
يقدم هذا الكتاب صورة بالكلمات (بورتريه) للفنان والناقد التشكيلي الراحل حسين بيكار، وتحاول المؤلفة إيناس...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017