facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


في «العزلة» وقرينها

فوزي كريم (الجريدة:) الأربعاء, 02-اغسطس-2017   02:08 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » في «العزلة» وقرينها
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

أنت تتحدث عن عُزلتي، وكأنك تتحدث عن الوحدة. وبين العزلة والوحدة بحرٌ محيط. لقد تعرّفتُ على عزلتي وانتخبتُها منذ سنوات، قد تعود إلى أيام الشباب الأولى. لكن الوحدة أحياناً تُربكها، إذ تقتحمها وتحتلها على غير دراية، وإرادة مني، فتسلب رحيقها، وتُحيي بدلها دوامة لا تتوقف من زمان مواتٍ، ومكان تراوح فيه الخُطا.
العزلة خيار شخصي، قد يكون ذا طبيعة مراهقة، مفعمة بالحيوية الفيزيائية، أو طبيعة ناضجة مُثقلة بحكمة العقل. الحوار يشكل دورتها الدموية؛ حوار مع النفس، حوار مع آخر مفترض، حوار مع كتاب، حوار مع الطبيعة. حوار مصوت أحيانا، وداخلي معظم الأحيان. بستان مثمرة أبداً.

في حال هذه العزلة أجد أكثر من حافز للكتابة، للقراءة، للرسم وللموسيقى. كذلك الحب، فهو فيها يسير، كريم، يُقبل عفويا. وهو رائع في كل حالاته، حتى في حال التمنع واللااستجابة، لأنه سيبعثُ حينها أسى عزيزا على قلب الشاعر بي، وملهماً.

هذه الحوافز جميعاً إنما يولدها اكتشاف الذات، الذي تولده العزلة بدورها. ولعلك ستعجب حين أقول لك إن هذه العزلة تُقرّبني من فهم الآخر، والتعاطف معه. في الوقت الذي تُنفّرني منه «الوحدة» حين تأخذ بخناقي. نعم، ستعجب من ذلك، لأن في العزلة رحابة اللقاءات المُنتخبة.

بابك مُشرع لمن ينجذب لصمتك الظاهر، أو لأصداء حوارك الخفي، ثم إنها وسيطي، حين أخرج للتجوال أو للمقهى في هذه المدينة الكريمة، في تأمل الأجناس البشرية، تأمل الأعمار، والهيئات، والوجوه، والأصوات.

في قصيدة لي تعود إلى 1996، بعنوان «العزلة وقرينها»، أقرأ لك هذه الأبيات:

«أقترحُ العزلةَ تسكنُها،/ في منأى عن أهوائكْ...

مُحترساً من عينِ رقيبٍ/ لا يُحسن فهمَ أدائكْ.

أهواءُ المرء وليدةُ مجرى لا يهدأْ،

والعزلةُ ماءُ غديرْ،

يتآخى في زُرقته الأحسنُ والأردأ،

والخيّرُ والشريرْ».

ثم تُختتم القصيدة بهذا المقطع:

«العزلةُ ماءُ غديرْ،

يتأملُ فيها النرجسُ فتنتَه وزوالَ شبابه.

والموتُ مناجاةٌ للجسد،ِ تهدْهدُه

وتُهوّنُ من أتعابهَ».

هل ترى؟ حتى الموت، فكرةً أو حقيقةً، يُقبل في هذه العزلة كـ»مناجاة للجسد». إن رحابتها تتسع للحياة والموت معاً.
هل يحدث كل هذا مع «العزلة»، لأنها خيار داخلي حرّ، أو لأن فيها ضمانة لهذا الحوار البالغ العمق مع النفس، ومع الإنسان المُفترض، ومع الكتاب بين اليدين، واللوحة على الجدار، واللحن الذي ينطلق من الآلة أو الحنجرة، أو مع الطبيعة، حيث يمتد بصرك، أو لأنها تحطم السورَ بينك وبين الآخر؟ أو أنها كلُّ هذا، وأكثر؟

ولعلك ستقول إن في العزلة صمتا يفيض عن حاجة الكيان الحيّ. لكن هذا ما يوهم به سطحُ البحر المحيط؛ قشرة بحكم انعكاس الضوء تلصفُ، وتحجب ما يعتمل تحتها. ما تحت السطح اللاصف، حيث لا تحيط به الحواس. صمت العزلة حواري ضاج، مع النفس ومع الآخر، لا يتوقف. لا تلقطه حاسة السمع، شأن موسيقى الكواكب التي يُدركها الفيثاغوريون.
في مرحلة متأخرة وردت هذه الأبيات في واحدة من قصائدي:
«اركبْ بحراً، خذْ قاطرةً، خذْ طائرةً، خذْ مركبةً لفضاءْ،
واخترْ للنفس بلاداً دون حدود خُطّت فوق الماءْ.

حلّقْ كالنسرِ على القممِ،/ وأقِمْ في رحِمِ الأرضِ جنيناً للبركانْ/ بين الحممِ، ستعود بألف قناعْ / يخفي أثراً من وجهٍ ضاعْ».
واضح أن هذا النص وليدُ حالة من «الوحدة»، لا «العزلة». ما من رحابة ورضا هنا، وما من أسى كأسى المحب، بل لحظة إحباط باردة تمليها الأقنعة الألف، وهي تخفي الأثر الذي خلفه الوجه الضائع.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

الشخصيات الحقيقية للروايات العربية والأجنبية الشخصيات الحقيقية للروايات العربية والأجنبية

يعاني كتاب القصة والرواية من الشخصيات الحقيقية لقصصهم ورواياتهم – فمن الممكن أن تطاردهم هذه الشخصيات - فالراحل محمد الجمل كتب روايته من "كفر الأكرم التفاصيل

الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق الاستشراق تزوير .. الأصول الثقافية في الشرق

قال كافافيس شاعر الإسكندرية: عندما تشرع عائداً الى ايثاكي لا تتعجل ... تمنَّ أن تكون الرحلة طويلة ... مليئة بالمغامرات، غنية بالمعلومات ... فمثل التفاصيل

الشعر اليوناني .. محاولات للتحرر من الرّمز التاريخي الشعر اليوناني .. محاولات للتحرر من الرّمز التاريخي

الدلالات الوجدانية في الشعر اليوناني الحديث دلالات متنوعة وعديدة وهو الشعر الذي يمكن وصفه بأنه الشعر الذي احتفظ ببيئته حيث عبر عن موروثه ووقائعه التفاصيل

حين تقرأ أميركا الشعر العربي المترجم حين تقرأ أميركا الشعر العربي المترجم

لم أكنْ أتخيل أنْ تحتفيَ دار للنشْر بمؤلف، كما فعلت دار النشْر الأميركية BOA، التي أصدرتْ أخيراً ديواني «منارة للغريق» باللغتيْن العربية والإنكليزية. التفاصيل

الشاعِرُ وَالصوفِي الشاعِرُ وَالصوفِي

إذا كان الصوفي يرى بعين الغوص في الذات، الذوق والكشف لتحقيق الحلول والفناء في الذات الإلهية، وتمزيق ظلماتها وستائرها، التي تخفي أسرارها وحقائق التفاصيل

الحداثة الشعرية تستوعب الأسطورة والرمز بشكل جديد الحداثة الشعرية تستوعب الأسطورة والرمز بشكل جديد

قهرت الحداثة الشعرية ما كان مكتنزنا في النسيج الشعري القديم وفي المقابل فقد اكتشفت حدود الفهم والمقبولية في اللغة إن بقيت على حالها قديما أو ما تم من التفاصيل

ذكرى ذكرى "هاري بوتر"

عشرون عاما مرت منذ أصدرت الكاتبة البريطانية ك. ج. رولينغ كتابها الأول من سلسلة «هاري بوتر»، التي ستغدو شهيرة بعد ذلك، وتباع نسخها الورقية وغير التفاصيل




سيرة سيلفيا بلاث الكاملة كما ترويها الرسائل سيرة سيلفيا بلاث الكاملة كما ترويها
عن ثلاثين عاماً، قررت الكاتبة الأميركية سيلفيا بلاث الانتحار. هذه المرة لم ترد لمحاولتها أن تفشل كما...
داخل المكتبة خارج العالم داخل المكتبة خارج العالم
في كتاب «داخل المكتبة.. خارج العالم»، الذي ترجمه السعودي الشاب راضي النماصي، وصدر عن دار «أثر» في الدمام منذ...
سِيرْخيُو رَامِيرِيثْ يحصد جائزة سيرفانتيس في الآداب لعام 2017 سِيرْخيُو رَامِيرِيثْ يحصد جائزة
حصل الكاتب النيكاراغوي سيرخيو راميريث على جائزة سيرفانتيس الإسبانية في الآداب، التي تعتبر بمثابة نوبل في...
الرواية الأفريقية نافذة على السحر الأسطوري الرواية الأفريقية نافذة على السحر
شهد "أتيليه الإسكندرية" أخيرا ندوة لمناقشة كتاب "الرواية الأفريقية.. إطلالة مشهدية" للناقد والباحث شوقي بدر...
التوظيف السياسي للأدب الكلاسيكي في روسيا التوظيف السياسي للأدب الكلاسيكي في روسيا
لعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا، إن الأدب الكلاسيكي الروسي، هو الإسهام الروسي الحقيقي في تطور الثقافة...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017