facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


" الدائرة " نموذج من سينما المستقبل

أمير العمري (العرب:) الأربعاء, 16-اغسطس-2017   03:08 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » " الدائرة " نموذج من سينما المستقبل
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

يروي فيلم “الدائرة” للمخرج جيمس بوسولدت قصة تعيد إلى الأذهان فكرة كيف يمكن أن تنجح “المؤسسة” في تشكيل وعي الإنسان- الفرد، بحيث يمكن التحكم فيه وتطويعه لخدمة أغراضها عن طريق الامتثال المطلق، لكنها تزعم في الوقت نفسه، أنها تسعى إلى تحريره من قيوده.
وتسعى المؤسسة إلى تحقيق سيطرة مركزية، وتساهم في خلق مجتمع شمولي مغلق يمسك بكل الخيوط في يد آلة جبارة لها أهدافها الخاصة، ترمي إلى جعل الأغنياء أكثر غنى، وتتجه أكثر فأكثر نحو تحقيق احتكار الثروة، في الوقت الذي توهم الجميع بأنها تخلق لهم مجتمعا شفافا ديمقراطيا، يتمتع فيه الجميع بفرص متساوية: في التصويت ومراقبة كل ما يجري في كل مكان.
المستقبل القريب
الزمان هو المستقبل القريب، لدينا مؤسسة أو شركة (خاصة) أطلق عليها مؤسسوها اسم “الدائرة”، توسعت وتضخمت وأصبحت تضم ملايين الأشخاص، بل وتمد أذرعها خارج الولايات المتحدة في عدد من الدول، وهي تملك كل أدوات التكنولوجيا الرقمية الحديثة من وسائل اتصال مذهلة تكفل مراقبة الأشخاص والاطلاع على أدق ما يفعلونه، وهي مشغولة بجمع أكبر قدر من المعلومات عن كل من ينضم إليها.
بطلة الفيلم فتاة شابة يملؤها الطموح هي “ماي” (إيما واتسون)، تمارس عملا مملا روتينيا، لكنها بمساعدة صديقتها “آني” تتمكن من الحصول على فرصة عمل نادرة في “الدائرة”.
هناك يصبح مطلوبا منها التواصل عبر جهاز الكومبيوتر مع الأشخاص عبر العالم، فقد أصبحت التكنولوجيا الرقمية الجديدة توفر فرصة هائلة للتواصل المباشر، بالصوت والصورة والتشات، كما هو حادث اليوم، ولكن على نطاق أوسع كثيرا، خاصة بعد أن يدشن رئيس الشركة “إيمون” (توم هانكس) أول كاميرا شخصية صغيرة الحجم يمكن لأي شخص أن يعلقها في صدره، تنقل الصور عبر الأقمار الاصطناعية، تقوم الدائرة بالفعل بنشرها في كل مكان وتنقل بالتالي صورا حية لحركة الأشخاص والأماكن التي يترددون عليها.
إنه يعطي عرضا شيقا أمام مئات الشباب المتحمسين للأفكار الجديدة، عن كيف أن هذه الوسيلة المربوطة بمخزن هائل للمعلومات والمواد يرتبط بالشبكة الخاصة بالشركة، يمكن أن تضمن “الشفافية” فتقضي تماما على فكرة “السرية” و”الخصوصية”، نحو شعار “المشاركة اهتمام”.
"الدائرة" تضمن أيضا علاجا جيدا متقدما للأمراض العضوية، ولديها نظام صحي متكامل لخدمة أعضائها والعاملين لديها، كما أن لديها نظاما للأنشطة الاجتماعية والترفيهية، ولكن في خضم هذه الأنشطة يجب أن يكون الفرد محاطا بمن يوجهونه ويعرفون كل شيء عن تحركاته.
حماس ماي الشديد لأفكار الدائرة يقودها إلى تطوير الفكرة، بحيث تشمل دفع الفرد لأن يجعل كل ما يقوم به في حياته الشخصية مكشوفا وعلى الهواء مباشرة، وذلك عن طريق زرع كاميرات في منزله، ومنزل أسرته، ومكان عمله، إلى جانب الكاميرا التي يعلقها على صدره والتي تكشف تحركاته، وعندما يدخل دورة المياه لقضاء حاجته فلديه ثلاث دقائق فقط يمكنه أن ينفصل خلالها عن “البث المباشر”.
والشعار الذي تطرحه هو “الأسرار أكاذيب” و”الخصوصية جريمة”، بل إنها تقوم باستعراض حي على الهواء لكيفية الاستعانة بالتخاطب المباشر مع العالم، والحصول بذلك على مساعدة الناس في تعقب والقبض على امرأة هاربة من الشرطة في بلد آخر.
تعلم ماي من إحدى الموظفات أن الدائرة تقوم بزرع شرائح دقيقة داخل أجسام الأطفال، تقول لها إن الغرض هو حمايتهم من الاغتصاب والاختطاف والقتل، وأن هذه التقنية قللت من وقوع مثل هذه الحوادث بنسبة 99 في المئة، ثم نشاهد سيدة من أعضاء الكونغرس تلقي كلمة على العاملين تتعهد خلالها بأن تكون الأولى التي تتيح الكشف -على الهواء- عن كل رسائلها الإلكترونية وما يدخل إلى بريدها الخاص وحساباتها المصرفية ومكالماتها الهاتفية.. إلخ، كخطوة أولى نحو تحقيق الشفافية الكاملة.
تدريجيا ستصعد ماي وتصبح مرشحة لتبوؤ منصب كبير ومؤثر في “الدائرة”، لكنها سرعان ما تقع في أزمة نفسية عنيفة، أولا بعد أن يتم بث مباشر يراه الجميع عبر العالم، لوالديها وهما معا في الفراش في مشهد حميمي.
وعلى الفور تتلقى ماي ملايين الرسائل التي تظهر أمامنا على جانبي الشاشة (وهو أسلوب متبع في الفيلم كله) من المشاهدين الذين يتساءلون ويعلقون بشكل فكاهي على هذا المشهد، ثم تكتشف ماي كيف أن هذه الشفافية المزعومة يمكن أن تنقلب فتتسبب في وقوع حوادث تؤدي إلى الموت كما يحدث مع صديقها الذي هجرها احتجاجا على وقوعها في براثن الدائرة، واختفى بعيدا، لكنها تضطر أمام الجمهور إلى إطلاق حملة مباشرة على الهواء للعثور عليه خلال دقائق، فتنطلق طائرات مروحية وسيارات ودراجات نارية تتعقبه وتطارده مطاردة شرسة بعد أن كشفت مكانه، إلى أن ينتهي المشهد بحادثة يفقد فيها حياته.
فكرة الوصاية على الناس، واقتحام خصوصيتهم بدعوى أن الخصوصية تخفي وراءها شرا، وأن الديمقراطية تقتضي الشفافية في كل شيء، فكرة ترسخ للدولة البوليسية والمجتمع الشمولي، لكن المشكلة أن الفيلم يتوقف عند هذا الحد فقط من ناحية السرد والسياق الدرامي.
إنه يكشف ببراعة الآليات التي يتم الترويج لها بواسطة إيمون عن تحقيق مجتمع الشفافية، ثم ما تقنعهم به ماي من أن النظام الجديد للتصويت على الهواء في الانتخابات سيحقق أيضا للمرة الأولى في التاريخ، الديمقراطية في أعلى مراحلها بعد أن يصبح التصويت إجباريا، ويتيح للجميع التصويت على الهواء مباشرة باستخدام وسائل التكنولوجيا الرقمية الجديدة، ثم ستخبرهم أن 22 دولة وافقت بالفعل على البدء في تطبيق هذا النظام من خلال “الدائرة”.
صورة جذابة
كان يتوقع أن يتجه الفيلم في نصفه الثاني للكشف عن تلك “الأغراض السرية” الغامضة التي تخفيها “الدائرة”، وكان هذا التطور على المستوى الدرامي يقتضي العناية بتفاصيل كثيرة أخرى تم إهمالها تماما.
كانت هناك مثلا شخصية الشاب الأسود “تاي” (جون بويغا) الذي تقترب منه ماي وتصادقه بعد أن تجده يميل إلى الانطواء والعزلة، ثم تكتشف أنه هو من صمم نظام البث المباشر لحركة الأفراد، ولكن هدفه لم يكن استخدام البشر والإضرار بهم على هذا النحو الذي يحدث الآن، لكننا لا نعرف ماذا كان هدفه؟ ثم لا نعرف ماذا سيفعل بعد أن اكتشف أن “الدائرة” شريرة؟
هل سيمكنه تدمير المنظومة أو ستتمكن الدائرة من الانتصار عليه؟ وهل ستصبح ماي مشتركة معه في كشف ما خفي من أمر الدائرة للرأي العام؟ وإلى أي مدى يمكنها أن تصل في تحدي “المؤسسة” التي ترمز لها “الدائرة”؟ لكن الفيلم لا يمضي في هذا الاتجاه.
ونتيجة لهذه المعالجة السطحية، يظل الفيلم يدور حول شخصية ماي دون أن يصل إلى أبعد من السطح، ودون أن يجعلها طرفا مناوئا لـ”المؤسسة”، أو ضحية لها، صحيح أنها تستخدم موضوع الشفافية لكي تقلب الطاولة على رأس رئيس الشركة وشريكه، فتتيح كل حساباتهما الشخصية ومكالماتهما الهاتفية ورسائلهما وتفاصيل حياتهما الشخصية للجميع، لكنها رغم ذلك تستمر في العمل لحساب “الدائرة”.
ويتمتع الفيلم بصور شديدة الجاذبية، وابتكارات في تقسيم الشاشة، والاستفادة من كل ما يمكن أن توفره التكنولوجيا الحديثة مع حركة كاميرا دائمة داخل المكان، تتميز بوجه خاص في المشهد الذي تسير ماي خلاله بسرعة مع صديقتها آني التي تتحدث بسرعة وتشرح لها بطريقة احترافية كما لو كانت مندوبة دعاية، كل تفاصيل المكان وما نشاهده كمدخل إلى “الدائرة”، وبينما تتقدم الفتاتان تتراجع الكاميرا باستمرار إلى الخلف لتكشف كل ما يتوفر من خدمات وأقسام وأماكن للتسلية وغيرها في محيط مباني ومنشآت “الدائرة”.
وفي مشهد آخر تهبط ماي مع زميلها تاي تحت الأرض إلى ممر مهجور تغرقه المياه، حيث يطلعها على مخزن الأسرار، من دون أن يتعقبهما أحد!
إيما واتسون بوجهها الطفولي البريء وجسدها النحيل تبدو مناسبة للدور، لكن أداءها يشوبه الطابع الأحادي، والانفعال الذي لا يتغير على وجهها بسبب أحادية الشخصية التي تؤديها، وهي في أفضل حالاتها في المشهد الذي تتعقب خلاله صديقتها آني التي تفر منها بعد أن أصبحت تشعر بالنفور من حماس ماي الزائد للاستمرار في اللعبة التي بدأت آني تتشكك في جدواها وهدفها.
في فيلم يفترض أنه من نوع الأفلام المثيرة، أي فيلم تشويق وحركة وترقب، تغيب المطاردات الكابوسية، والشعور بالخطر التدريجي الذي يمكن أن يحدق بالشخصية الرئيسية، بل على العكس، تبدو ماي وقد استسلمت طواعية للأمر الواقع، وينتهي الفيلم وهي لا تزال ترى فائدة ما من نظام “الدائرة”، ويبدو أن رؤية المخرج هي أنه لا مفر من قبول هذا التطور التكنولوجي المحتم، وأن المهم كيفية التعامل معه مستقبلا!
...
ناقد سينمائي مصري

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

«ورش السيناريو» لإنقاذ دراما 2018 «ورش السيناريو» لإنقاذ دراما 2018

لجأ أخيراً عدد من نجوم الدراما المصرية إلى «ورش السيناريو» لتقديم مسلسلات تبتعد عن دراما المؤلف الأوحد الذي يتولى كتابة القصة والسيناريو والحوار، حيث التفاصيل

افتتاح بسيط لجمهور استثنائي وبرمجة لافتة للألفية الثالثة افتتاح بسيط لجمهور استثنائي وبرمجة لافتة للألفية الثالثة

شهد عدد كبير من محبي السينما في تونس السبت المنقضي، افتتاح الدورة الثامنة والعشرين لـ «أيام قرطاج السينمائية» بإدارة المنتج نجيب عياد. وتزامن هذا التفاصيل

«فيلم طويل عن الحياة» يرصد رحلة خيري بشارة مع السينما والحياة «فيلم طويل عن الحياة» يرصد رحلة خيري بشارة مع السينما والحياة

يلخص كتاب «فيلم طويل عن الحياة» مشوار ورحلة إبداع المخرج خيري بشارة. المهرجان القومي للسينما المصرية في دورته الحادية والعشرين، التي حملت شعار التفاصيل

الموت ينتظر الفقراء في «البر التاني» صورة قاتمة لسينما واقعية الموت ينتظر الفقراء في «البر التاني» صورة قاتمة لسينما واقعية

في عرضة الأول في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لم يحظ فيلم «البر التاني» للمخرج على إدريس بالجائزة التي كانت متوقعة له، حيث ذهب امتياز الفوز لفيلم التفاصيل

أسطورة «جيمس بوند» ورفاقه: على شاشة السينما أسطورة «جيمس بوند» ورفاقه: على شاشة السينما

ركز الأدب والسينما العالميان بشكل خاص على المخابرات البريطانية وقدماها كمؤسسة خارقة القوى. وكان مشاهير المؤلفين لهذا الأدب أنفسهم موظفين سابقين في التفاصيل

السينما المصرية في مواجهه سياسية خارج العاصمة السينما المصرية في مواجهه سياسية خارج العاصمة

عادت المهرجانات السينمائية سيرتها الأولى، فلم يمر سوى أسابيع فقط على انعقاد مهرجاني شرم الشيخ والإسكندرية، حتى أقيم مهرجان سينمائي ثالث هو أحد التفاصيل

أيام قرطاج السينمائية دورة العودة إلى أفلام الجنوب وبلدانه أيام قرطاج السينمائية دورة العودة إلى أفلام الجنوب وبلدانه

أيام قليلة تفصل عشاق الفن السابع في تونس عن انطلاق مهرجان “أيام قرطاج السينمائية “، في دورته الـ28، التي ترفع شعار “العودة لسينما الجنوب”، كما صرح التفاصيل




سيرة سيلفيا بلاث الكاملة كما ترويها الرسائل سيرة سيلفيا بلاث الكاملة كما ترويها
عن ثلاثين عاماً، قررت الكاتبة الأميركية سيلفيا بلاث الانتحار. هذه المرة لم ترد لمحاولتها أن تفشل كما...
داخل المكتبة خارج العالم داخل المكتبة خارج العالم
في كتاب «داخل المكتبة.. خارج العالم»، الذي ترجمه السعودي الشاب راضي النماصي، وصدر عن دار «أثر» في الدمام منذ...
سِيرْخيُو رَامِيرِيثْ يحصد جائزة سيرفانتيس في الآداب لعام 2017 سِيرْخيُو رَامِيرِيثْ يحصد جائزة
حصل الكاتب النيكاراغوي سيرخيو راميريث على جائزة سيرفانتيس الإسبانية في الآداب، التي تعتبر بمثابة نوبل في...
الرواية الأفريقية نافذة على السحر الأسطوري الرواية الأفريقية نافذة على السحر
شهد "أتيليه الإسكندرية" أخيرا ندوة لمناقشة كتاب "الرواية الأفريقية.. إطلالة مشهدية" للناقد والباحث شوقي بدر...
التوظيف السياسي للأدب الكلاسيكي في روسيا التوظيف السياسي للأدب الكلاسيكي في روسيا
لعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا، إن الأدب الكلاسيكي الروسي، هو الإسهام الروسي الحقيقي في تطور الثقافة...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2017