facebook   twitter  youtube
الدكتور خالد غازي





أراء وكتاب
أمير تاج السر
د. لنا عبد الرحمن


" أم " : فيلم صادم يفتح الباب مشرعا للتأويلات

نسرين سيد أحمد (القدس العربي :) الإثنين, 11-سبتمبر-2017   03:09 صباحا

شكرا لك ..! لقد تم ارسال المقال بنجاح .
اغلاق

ارسال » " أم " : فيلم صادم يفتح الباب مشرعا للتأويلات
اسمك
بريدك الالكتروني
مرسل لبريد الكتروني
نص الرسالة


ارسال مقال ارسل | اضف تعليق|حفظ المقال حفظ|طباعة مقال طباعةاضف للمفضلة اضف المقال للمفضلة

منذ بدء دورته الرابعة والسبعين، لم يشهد مهرجان فينيسا فيلما على هذه الدرجة من الشحن النفسي، وهذه الدرجة من إثارة الجدل واستقطاب الآراء قبل عرض فيلم "أم" !
للمخرج الأمريكي دارين أرنوفسكي، المتنافس على الأسد الذهبي في المهرجان، فبعد انتهاء عرض الفيلم تعالت صيحات الاستهجان التي بلغت درجة السباب بالقدر نفسه الذي ضجت فيه القاعة بالتصفيق ترحيبا بالفيلم. انقسام نقدي وجماهيري كبير إزاء الفيلم، ولكن أيا كان الحال، وأيا كان الجانب الذي انضممت إليه، فإن الفيلم لن يتركك قط على الحياد، وسيثير في عقلك الكثير من التساؤلات، في محاولة للوصول إلى تأويل لهذا الفيلم الصادم الذي ينقض على أعصابك وعقلك ويفتك بهما.
يبدأ الفيلم بداية هادئة لا تشي بالصدمات والذعر والاختناق الذي يثيره، خاصة في ثلثه الأخير. ليس بالفيلم الذي تسهل مشاهدته، ولكنه يفتح الباب على مصراعيه للتأويل والتحليل. يمكن، إن أردنا، أن نتابعه وفقا لأحداثه الظاهرية، ولكن يمكن أيضا استخلاص الكثير من الرمزية والبعد الأسطوري والبعد الديني في رؤيته. ويمكن أيضا قراءته كفيلم عن الإبداع الأدبي، عن «خلق» قصيدة جديدة ومولدها، ليس من رحم الأديب، ولكن من رحم ملهمته، التي تكون أولى ضحايا عملية الميلاد الأدبي تلك.
يبدأ الفيلم في بيت زوجين (جينيفر لورانس وخافيير بارديم)، لم يشأ أرنوفسكي أن يضع لهما اسما، في إحالة إلى أنهما قد يكونان رمزين أكثر من كونهما فردين. الزوج أديب وشاعر، نعرف في سياق الأحداث أنه حقق شهرة واسعة نجاحات كبيرة، ولكن خياله نضب ويحاول عبثا البدء في خلق عمل أدبي جديد. عقمه الأدبي يوازي عقمه في علاقته الزوجية، فهو زوج لامرأة شابة جميلة تصغره بكثير من الأعوام، ولكن رغم شبابها وجمالها، ورغم السعادة الظاهرة فوق السطح، إلا أن العلاقة بينهما فاترة لا نشوة فيها ولا جذوة متقدة.
يرسم الفيلم منذ لحظاته الأولى إطار العلاقة بين الزوجين. الزوج يبدو بعيدا منعزلا في غرفة الكتابة التي لا يسمح لأحد أن يعبر بابها إلا بإذنه. هي من تعمر البيت، وهي التي أخذت على عاتقها إعادة بنائه وطلائه، وتزيين غرفتيه. نعرف لاحقا أن البيت يعود إلى زوجها منذ أمد طويل ولكنه دُمر في حريق التهمه تماما. وعلى الرغم من أنها من يضطلع بالعمل وببناء المنزل وإعادته إلى أوجه، إلا أنه هو الذي يضع قواعد التصرف في المنزل، وهو من يمنح الإذن لمن يبقى ومن لا يبقى، وهو من يحمل سر المنزل وما حل به في الماضي. العلاقة إذن ليست متكافئة وليست مجرد علاقة زوج بزوجة. هي أشبه بعلاقة إله بسدنة المعبد، أو بين سيد بمحظيته أو ملهمته. هي تقدم الراحة والسكن وهو من يملك زمام الأمر.
ولكن ما هو هذا المنزل الذي دمر في الحريق، والذي تعيد الزوجة تشييده؟ تجدر الإشارة هنا إلى أن أحداث الفيلم جميعا، باستثناء ثوانٍ معدودة تدور داخل ذلك المنزل. إنه منزل في منطقة معزولة أو نائية لا تحيط به منازل أخرى، يبدو الزوجان أول من يقطن تلك المنطقة وأول من يعمرها. هي تقول في سياق الفيلم إنها تريد أن تجعل من المنزل «فردوسا»، فهل في هذا إشارة إلى آدم وحواء وبداية نزولهما إلى الأرض لإعمارها؟ أم هل هو أمل العثور على فردوس مفقود؟ أم هل هذا البيت هو خيال الأديب، الخيال الذي يفرغ معينه فور الانتهاء من عمل أدبي، ويحتاج إلى يد وجسد ملهمة أخرى لتتجدد قدرته على الخلق؟
يبقى المنزل على هدوئه إلى أن يصل الزائر الغريب، الزائر غير المتوقع (إد هاريس). يصل هكذا يدق الباب، قائلا إنه طبيب جاء للعمل في مستشفى المنطقة، وظن البيت نُزلا، فجاء لاستئجار غرفة. يرحب به الزوج، بينما تبقى الزوجة على حذرها، رافضة أن يدخل غريب دارها، أو أن يعبث بترتيب المنزل. مع دخول الغريب، يدخل الفيلم مرحلته الكابوسية الأولى، ونشهد بدايات الدمار للمنزل الذي تصحبه بدايات من الدمار النفسي والعصبي للزوجة. هذا الغريب الذي جاء، سريعا ما تلحق به زوجته ليقوما بشبه احتلال للبيت، احتلال يبدو صاحب البيت سعيدا به، بعد أن علم أن الضيف من معجبي أدبه المخلصين، بينما تحاول الزوجة بقدر الإمكان أن تتخلص منه.
ثمة مقارنة تفرض نفسها بين العلاقة بين صاحب البيت وزوجته والضيف الغامض وزوجته. تبدو العلاقة بين الزوجين الضيفين أكثر حسية وأكثر حميمية، وهي ليست بالعلاقة العقيمة فلهما من الأبناء ولدان. تباهي الزوجة الضيفة بأبنيها قائلة إن المنزل وطلائه ليس سوى قشرة خارجية، ولكن ما يجعل الزيجة زيجة حقا ويجعل البيت أسرة هو وجود طفل. وتبدأ في توبيخ الزوجة لأنها لا تقدم الإغراء الكافي للزوج ليجعلها حبلى. هل الزوجان الضيفان موجودان حقا؟ هل يحاولان حقا فرض سطوتيهما على المنزل؟ أم هل هما مجرد هلاوس تعبث بمخيلة الزوجة التي تشعر بأن زواجها على المحك، رغم صورته الهادئة على السطح؟ هل الضيف وزوجته مصادر إلهام أخرى للأديب تأبى ملهمته أن تشاركهما فيه؟ هل هما إرهاصات لثقافة القطيع وثقافة التابعين للأنبياء مثلا، هذا إذا أحلنا الأديب إلى صورة أخرى من الأدب: الكتب التي يتبعها أصحاب الديانات، سواء كانوا أنبياء أم رسلا؟ يزداد الأمر تعقيدا بوصول ابني الضيف والضيفة، الابنان الشابان اللذان يقتتلان ويتصارعان على حب أبيهما، حتى يصرع أحدهما الآخر على أرض المنزل، في إشارة واضحة لهابيل وقابيل. هل ذلك البيت الذي تدور فيه الأحداث صورة للبشرية بكل صراعاتها وآلامها وشرورها وأطماعها؟
يراق الدم في المنزل، ويقتل الأخ أخاه، ولكن هذا الدم المراق والضيوف الكثر الذين يغزون المنزل ويدنسون حرمته لتأبين الابن القتيل، هم ما يحرك الزيجة الفاترة بين الأديب وزوجته، فتحمل الزوجة وتدب فيها حياة جديدة بينما تدب الحياة في مخيلة الأديب. إنه الخلق بكل صوره، الخلق في مواجهة شرور البشرية، الخلق في مواجهة الموت، والخلق الإبداعي شعرا. الإنسان يعيث في الأرض فسادا ويقتل ويخرب ويستبيح حرمات البيوت والحرمات جميعا، ولكنه أيضا ينتج الفن والأدب والقصيدة وينجب أبناء لعمارة الأرض!
يدخله الفيلم ثلثه الأخير الأكثر جنونا وصخبا وكابوسية بعد أن يفرغ الشاعر من كتابة قصيدته بينما تقارب الزوجة المخاض. «أنجب» الشاعر قصيدته بعد أن ألهمه حمل الزوجة أن يكتب. الزوجة هي أم الجنين المتشكل في الرحم وهي أيضا «أم» القصيدة التي كتبها الشاعر. هي الملهمة وجالبة الحياة، ولكنها لا تحظى قط باهتمام الزوج، فهي مجرد محفز له على الإبداع، يفرغ منها تماما فور انتهائه من كتابة القصيدة.
ثم يأتي الدهماء، يأتون من كل حدب وصوب ويغزون المنزل. إنهم المعجبون بالأديب ومحبوه، ولكنهم ليسوا كمن نراهم في ندوة شعرية يستمعون إلى الشاعر. إنهم الجموع حين تعتريها اللوثة، أقرب إلى تابعي رجال الدين، الذين يريدون الحصول على قطعة من أثر إمامهم أو قسهم للتبرك بها أو لتحل فيهم روحه. تحاول الأم التي على وشك المخاض الدفاع عن بيتها وعن جنينها الذي يوشك أن يولد. لكن الجحافل تأتي على كل ما في البيت. يتناكحون ويلتهمون البيت التهاما ويدمرونه بمباركة الشاعر المنتشي بمريديه وأتباعه ولا يحرك ساكنا لإنقاذ زوجته أو مولودها.
في الثلث الأخير من الفيلم يضاعف أرنوفسكي التوتر أضعافا حتى أننا نكاد نختنق اختناقا. المشاهد الأخيرة في الفيلم بما فيها من التهام للحم البشر وذلك القربان البشري الذي لا حول له ولا قوة صادمة للغاية، ولكنها أيضا تأتي محملة بمستويات المعنى والتأويل.
يمكن رؤية الدهماء الذين غزوا المنزل على أنهم الصحافة والجماهير التي تقحم نفسها في حياة المشاهير أو أنها جحافل أتباع رجل دين أو ديانة. الفيلم لا يقدم الكثير من الإجابات الشافية ويتركنا في حالة من الصدمة البالغة، ولكن ثراءه يكمن في أنه يفتح لنا أبواب الفكر والخيال والتفسير لنجد نحن تأويلنا الخاص.

   

التعليقات






شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق .



   

سعيد حامد سنبدأ تصوير سعيد حامد سنبدأ تصوير "هي كيميا" في رمضان المُقبل

نفى المخرج سعيد حامد ما تردد عن بدء تصويره أحدث أفلامه "هي كيميا"، غدًا الأحد 18 فبراير، مؤكدأ أنه مازال بمرحلة التحضير. وقال حامد "سنبدأ تصوير التفاصيل

جوائز معرض القاهرة تثير جدلاً .. فهل المخالفات مقصودة؟ جوائز معرض القاهرة تثير جدلاً .. فهل المخالفات مقصودة؟

كالعادة، لا بد أن يمرّ معرض القاهرة الدولي للكتاب تاركاً وراءه «مخالفات» يرتكبها القائمون عليه، لكنّ دورته التاسعة والأربعين- التي انتهت في 10 شباط التفاصيل

أفلام ديزني تلهم عرض الافتتاح في القاهرة للرسوم المتحركة أفلام ديزني تلهم عرض الافتتاح في القاهرة للرسوم المتحركة

سجل ملتقى القاهرة الدولي للرسوم المتحركة انطلاقة مميزة هذا العام بعرض استعراضي غنائي مزج بين قصص الرسوم المتحركة العالمية والأداء المباشر على المسرح التفاصيل

شادية .. .لم تتاجر باعتزالها وتوقيع الموسوعة الموسيقية شادية .. .لم تتاجر باعتزالها وتوقيع الموسوعة الموسيقية

الفنانة الراحلة "شادية"، حلت أعمالها الفنية محورا ضمن ندوة رموز مصرية التي أقيمت في القاعة الرئيسية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ،تناولت الندوة السيرة التفاصيل

«رجل المبيعات» للإيراني أصغر فرهادي «رجل المبيعات» للإيراني أصغر فرهادي

تأتي السينما الإيرانية دائما بمذاق مختلف، يتأتى من طبيعة الرؤية الفنية التي تحكمها، والفكر الذي يقودها، والجماليات التي تطرحها. إنها مختلفة عما يقدم التفاصيل

حفل ختام مهرجان القاهره السينمائي حفل ختام مهرجان القاهره السينمائي

يقام اليوم السبت الحفل الختامي لمهرجان جمعية الفيلم في دورته الـ 44 ، حيث يختتم المهرجان فعالياته ويتم توزيع جوائز المهرجان، والذي أعلن عنها في وقت التفاصيل

دراما فلسطينية تصبح صناعة دراما فلسطينية تصبح صناعة

من يتابع ما تحقق من أعمال درامية فلسطينية خلال السنوات الماضية لا بد أن يخطر له سؤال كهذا، خصوصاً أن أدوات النهوض بالدراما والارتقاء بها كماً ونوعاً التفاصيل




البلطي يصل إلى 26 جنيها.. أسعار السمك في سوق العبور اليوم البلطي يصل إلى 26 جنيها.. أسعار السمك
ستقرت أسعار السمك "البوري والبلطي" في سوق العبور، اليوم السبت، مقارنة بأسعار الأمس.ووفقا لبيانات الموقع...
الأرصاد تعلن موعد تحسن الطقس وانتهاء الموجة الباردة الأرصاد تعلن موعد تحسن الطقس وانتهاء
قال محمود شاهين، وكيل مركز التحاليل والتنبؤات الجوية بهيئة الأرصاد الجوية إن حالة عدم الاستقرار والاضطراب في...
قبل المونديال.. 4 حلول أمام كوبر لحل أزمة الظهير ا قبل المونديال.. 4 حلول أمام كوبر لحل
منذ مشاركة المنتخب المصري في بطولة أمم إفريقيا بالجابون 2017، ولم يتوصل الأرجنتيني هيكتور كوبر، المدير الفني...
البيان التاسع للعملية الشاملة: القضاء على 7 تكفيريين وضبط 408 من المشتبه بهم البيان التاسع للعملية الشاملة: القضاء
اصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة، اليوم السبت، البيان التاسع للعملية العسكرية الشاملة "سيناء 2018"، حيث...
  طوارئ في مطار القاهرة لاشتعال عربة سحب طائرات على المهبط طوارئ في مطار القاهرة لاشتعال عربة
أعلنت سلطات مطار القاهرة الدولي، صباح اليوم السبت، حالة الطوارئ، بعد اشتعال عربة سحب طائرات "بوش باك" أثناء...

هل تتوقع ان تستجيب قطر لمطالب الدول المقاطعة لها؟

نعم
لا
ربما






جريدة صوت البلد

© جميع الحقوق محفوظة لموقع جريدة صوت البلد 2018