قانون عمولة السلاح.. رشوة بغطاء قانوني

   محمد نوار( القاهرة )

كشف تقرير أصدرته "منظمة الشفافية الدولية" مؤخرًا عن ترتيب الدول العربية التي فشلت حكوماتها في محاربة فساد صفقات التسلح والدفاع، وجاء ترتيب الدول العربية الأقل فسادًا "الكويت، لبنان، والإمارات العربية المتحدة" وكان تصنيفهم "خطرًا"، بينما أدرجت تحت خانة "خطر مرتفع" كل من "الأردن، فلسطين"، وضمت القائمة بتصنيف "خطر مرتفع للغاية" البحرين، العراق، عُمان، المغرب، تونس، قطر، المملكة العربية السعودية، أما في خانة "الأعلى فسادًا" فجاءت "الجزائر، مصر، ليبيا، سوريا، اليمن".
 وفيما يخص الشأن المصري أوضح خبراء سياسيون وقانونيون أن قانون "عمولة السلاح" معروف لجميع رؤساء دول العالم، وهذا لا يعاقب عليه القانون؛ لأن المجالس النيابية في جميع دول العالم تعطي لرئيس الدولة الحق في شراء وعقد صفقات السلاح، وذكرت بعض التقارير السابقة حول التحقيقات مع الرئيس السابق "حسني مبارك" بشأن اتهامه بالحصول على عمولات من بيع صفقات السلاح لمصر وصلت إلى 35%، قال: أنا - والكلام لمبارك - لم أرفع نسبة العمولة عما كان يأخذه الرئيسان الراحلان "جمال عبد الناصر، وأنور السادات"، والبرلمان كان يعطيني هذا الحق، وأشار الخبراء أن العمل بنفس القانون بعد الثورة في عهد الرئيس "محمد مرسي" يجعل من كل رئيس عربي "تاجر سلاح" بغطاء قانوني، وله سلطة شراء السلاح والتعاقد عليه دون حسيب أو رقيب.
د. عبد الله الأشعل، أستاذ القانون الدولي بالجامعة الأمريكية قال: إن صفقات السلاح باب سري وخلفي للحصول على أموال الشعوب العربية، وتُعتبر صفقة السلاح الروسي مع العراق أحدث صفقة عربية يشوبها فساد بين وزير الدفاع ومستشار رئاسة الجمهورية، حيث أكدت اللجنة القانونية العراقية أن نسبة العمولة بلغت 10 % من قيمة العقد الذي تم توقيعه بالأحرف الأولى فقط لضمان السرية، مشيرًا إلى أن ثروة الرئيس المصري السابق "حسني مبارك" أغلبها من عمولات في صفقات السلاح، وصفقة تصدير الغاز لإسرائيل، وصفقات عقارية في مناطق الاستثمار السياحي في الغردقة وشرم الشيخ، بالإضافة إلى أنه كان أكبر وكيل للسلاح في مصر بحكم وضعه كرئيس للبلاد، ويأخذ عمولته بالقانون المشبوه الذي أعطى لرئيس الجمهورية الحق في عقد صفقات السلاح مع الدول الأجنبية، وللأسف ما زال القانون معمولًا به في البلاد ويتيح لكل رئيس أن يتحول إلى تاجر سلاح وتتضخم ثروته خلال مدة قصيرة في حال إبرام عقد توريد أسلحة إلى البلاد.
ومن جانبه أشار د. حسام عيسى، أستاذ القانون الدولي بجامعة عين شمس، إلى عدم وجود ما يعرف في القانون المصري بالعمولات الرسمية، ولكن هذه الأمور معروفة داخل الوسط العالمي، كما أنه يوجد فارق كبير بين تاجر سلاح ووكيل سلاح؛ لأن الأولى مهنة سرية ويصعب الكشف عن أصحابها، أما وكيل السلاح فهو ممثل لشركات السلاح الكبرى، ويستخدم صلاحياته في تسهيل إجراءات دخول أو مرور السلاح عبر دولته أو لدول أخرى مقابل عمولة أو مكافأة في متابعة تنفيذ الصفقة التي تبرم مع بلاده أو مع بلاد أخرى، مؤكدًا أن "مبارك" كان وكيلًا لبعض شركات الأسلحة العالمية داخل مصر مثل: "يونيتد ديفينس، ويونيتد تيكنولوجيز، وأباتشي... وغيرهم"، وكان يعقد الصفقات لبعض الدول العربية والأفريقية باعتبار أن مصر دولة محورية ولها علاقات متشعبة، بالإضافة إلى أن الرئيس السابق كان يمارس ضغوطًا لتمرير صفقات السلاح من ناحيته للحصول على العمولة التي تقدر بملايين الدولارات.
وأكد د. جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، أن الفقرة الثانية من المادة 108 من الدستور المصري السابق، كانت توجب على رئيس الجمهورية عرض القرارات التي اتخذها في شأن عقود السلاح على البرلمان، ولكن المجلس تنازل عن حقه الدستوري وقام بتفويض الرئيس في عقد وإبرام صفقات السلاح مع الدول الأجنبية لتوفير احتياجات القوات المسلحة المصرية، وكان يجدد التفويض طوال الـ 30 عامًا الماضية كل مرة قبل ثلاثة أشهر من انتهاء المدة المحددة، وهو ما استغله مبارك جيدًا في الحصول لنفسه على عمولات من خلال إبرام صفقات حربية لمصر أو تسهيل مرور صفقات السلاح عبر مصر للدول المجاورة، مطالبًا إلغاء هذا التفويض الذي جعل من رئيس مصر السابق أكبر تاجر وسمسار أسلحة في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى حماية الرئيس الحالي من أي شبهة استغلال هذا التفويض في الحصول على العمولات بوصفه رئيس الجمهورية.
وأضاف د. أيمن نور رئيس حزب غد الثورة، إن عمولة الرؤساء والملوك العرب في صفقات السلاح، أحد أبواب الفساد وإهدار المال العام في الدول العربية، ويبقى عقد شراء وصفقات الأسلحة من الأسرار الحربية لكل دولة؛ لأنها تتم من عمولات خاصة وبأمر مباشر للشراء من "روسيا أو الصين"، وتوضع الأموال مباشرة داخل حسابهم الشخصي من مبيعات البترول أو  تجارة السلاح، موضحًا عدم وجود قانون في مصر أو في العالم يبيح للمسئولين الحصول على عمولة من صفقات السلاح القادم إلى دولتهم، ووفقًا للقانون المصري الذي أقره البرلمان أتاح لرئيس الجمهورية حق الإشراف الكامل على عقد صفقات السلاح، وأخذ عمولته القانونية.
وبدوره أكد عصام سلطان، نائب رئيس حزب الوسط، أن المعونة العسكرية التي تقدمها واشنطن للقاهرة بجانب صفقات الأسلحة، كانت تتم من خلال شحن المساعدات الأمريكية العسكرية من "دبابات وطائرات" عن طريق البحر وباستخدام سفن أمريكية، وبالتنسيق مع مبارك وشريكه حسين سالم تم إنشاء شركة "إيتسكو" لتنفيذ نقل الأسلحة، موضحًا أنه لو استطعنا حصر عدد صفقات السلاح التي أبرمها "مبارك" خلال 30 عامًا مضت لأدركنا حجم الأموال التي اكتسبها من السمسرة على اعتبار أن عمولته كانت تتراوح ما بين 10 و 30% حسب قيمة كل صفقة، كاشفًا أن النيابة العسكرية حتى الآن لم تكشف المستندات التي تدين "مبارك" بالتربح من عمولة صفقات السلاح‏؛ لأن عقود شراء السلاح التي أبرمتها مصر أثناء حكم الرئيس السابق كانت تحظر على أي فرد تقاضي عمولات مباشرة، ولكن تخصم قيمة أي عمولة مخصصة من "شركات السلاح" من إجمالي ثمن صفقة الشراء النهائي، مطالبًا الرئيس "مرسي" بضرورة إلغائه؛ حتى لا يقع تحت شبهة فساد باعتباره رئيس الجمهورية وله الحق في حالة إبرام صفقات للسلاح الحصول على عمولته القانونية.
وكشف حافظ أبو سعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، عن وجود مرسوم ملكي منذ عهد "السلطان حسين"، يتيح لرئيس البلاد الحق في الحصول على سمسرة وعمولة تقدر بـ 5% عن كل قطعة سلاح تدخل البلاد حتى ولو كانت رصاصة، مؤكدًا أن العمولات نظير عبور السفن الحربية من قناة السويس أو عند إبرام صفقات للسلاح إلى مصر، نظرًا لأن القانون المصري يلزم أي سفينة حربية‏ مهما كانت جنسيتها‏‏ أن تحصل على موافقة رسمية من وزارة الدفاع المصرية حتى تتمكن من العبور، وأيضًا عبور حاملات الطائرات والغواصات التي تعبر تحت المياه، رغم أن قوانين العبور في قناة السويس تحتم على الغواصات الظهور على السطح وعبورها مكشوفة، ولكن نظرًا للأسرار الحربية تم استثناؤها من قبل وزارة الدفاع المصرية.
ويرى د. حمدي عبد العظيم أستاذ الاقتصاد السياسي، أن نظام العمولات جزء من منظومة الفساد سواء كانت رسمية أو غير رسمية، فهي بمثابة رشوة بغطاء قانوني للرؤساء والملوك العرب، كما أن العمولات في صفقات "السلاح والغاز والصفقات التجارية الكبرى" تكون بالملايين، وتوضع في حساباتهم في بنوك خارج الدولة حتى لا يتعرض الرئيس للمساءلة بموجب القانون، مؤكدًا أن بعض رؤساء الدول كانوا يقومون بعمليات "وساطة" في بيع السلاح بين الدول، ويتم ذلك عن طريق شركات وهمية مسجلة على الورق لكن ليس لها أي كيانات في أي دولة، مطالبًا البرلمان القادم بضرورة إصدار تشريع يمنع الوساطة في تجارة السلاح، مع ضرورة تجريم العمولات على كافة المستويات، ويتساوى في ذلك جميع الموظفين العموميين بمن فيهم رئيس الدولة، وإلا يقع تحت طائلة القانون.
في حين أكد اللواء سامح سيف اليزل الخبير العسكري، أن وزارة الدفاع هي التي يحق لها فقط عقد صفقات السلاح الخاصة بالدولة، والقانون يمنع تفويض رئيس الجمهورية أو أي موظف بالدولة عقد صفقات السلاح مع الدول الأجنبية، مشيرًا إلى أن الرئيس لا ينبغي أن يعلم عنها شيئًا إلا في حالة التدخل سياسيًّا لإقناع الدولة بعقد صفقة أو وجود بعض العقبات والمشكلات التي تواجه وزارة الدفاع ويتطلب الأمر تدخله شخصيًّا، مضيفًا أن مبارك استطاع أن يجمع مليارات الدولارات حين كان نائبًا للرئيس الراحل "أنور السادات"، وبعد أن تولى الحكم، بالتعاون والتنسيق مع شركة خاصة أسسها مبارك مع رجل الأعمال الهارب "حسين سالم" بمشاركة اثنين من قيادات المخابرات الأمريكية، وفق ما جاء في الاتهامات.

http://www.baladnews.com/article.php?cat=24&article=44039