
نجحت مصر في استثمار موقعها الجغرافي وقدراتها اللوجستية لتحويل التحديات الجيوسياسية الراهنة إلى شراكات استثمارية واستراتيجية مستدامة، وهو ما تجسد بوضوح في انطلاق النسخة التاسعة من مؤتمر ومعرض (إيجبس 2026)، الذي افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي وسط حضور دولي رفيع المستوى لصناع القرار بقطاع الطاقة العالمي، لتبعث القاهرة برسالة عملية تؤكد تحولها إلى المحرك الرئيسي لمنتدى غاز شرق المتوسط واللاعب الأكثر موثوقية في تأمين إمدادات الطاقة للقارة الأوروبية والأسواق العالمية.
ويأتي اختيار شعار هذه النسخة حول “تحول الطاقة عبر التعاون والعمل والواقعية” ليعكس الرؤية المصرية العميقة التي تتبنى التوازن بين استغلال الموارد التقليدية والالتزام الصارم بالمعايير البيئية العالمية.
وفي كواليس هذا الحدث الضخم الذي احتضنه مركز مصر للمعارض الدولية، كانت لغة الأرقام هي المتحدث الرسمي عن نجاح السياسات الاقتصادية المصرية، حيث تصدرت شركة “إيني” الإيطالية المشهد بإعلانها التاريخي عن ضخ استثمارات جديدة بقيمة ملياري دولار خلال العام الجاري، وهو ما يعد تصويتاً عالمياً بالثقة في استقرار مناخ الاستثمار المصري وقدرة قطاع البترول على تحقيق كشوفات غازية جديدة في مناطق الامتياز بالبحر المتوسط والصحراء الغربية، حيث لم تكن هذه الاستثمارات بمعزل عن الرؤية الشاملة لتطوير البنية التحتية، إذ شهد المؤتمر مباحثات مكثفة حول تعظيم دور محطات الإسالة في إدكو ودمياط لرفع قدراتها التصديرية، بالتوازي مع ربط الحقول القبرصية بالشبكة القومية المصرية، مما يعزز من مكانة مصر كبوابة حصرية للغاز المستخرج من حوض المتوسط نحو الأسواق العالمية.
اتفاقيات دولية
ولم يتوقف الطموح المصري عند حدود الغاز الطبيعي، بل استفاضت جلسات النسخة التاسعة في شرح الحيثيات الفنية والتقنية لتحويل مصر إلى مركز عالمي للهيدروجين الأخضر، مستغلة في ذلك الموقع الاستراتيجي لقناة السويس وما تمتلكه الدولة من موارد طبيعية في الطاقة الشمسية والرياح، حيث تم توقيع اتفاقيات إطارية مع تحالفات دولية كبرى لتوطين صناعة الأمونيا الخضراء وتوفير وقود السفن النظيف، وهي الخطوات التي تضع مصر في مقدمة الدول الملتزمة بمخرجات قمم المناخ العالمية مع الحفاظ على حقها الأصيل في التنمية المستدامة، كما برز خلال المعرض الدور المتنامي للتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في إدارة الحقول والمنشآت البترولية، وهو ما ظهر جلياً في عرض نجاحات بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج التي نجحت في جذب رؤوس أموال عالمية عبر تيسير الإجراءات وشفافية البيانات الفنية.
وبعيداً عن صخب الصفقات والمليارات، تضمنت فعاليات المؤتمر استعراضاً شاملاً لمبادرات المسؤولية المجتمعية التي تنفذها شركات الطاقة في القرى والمحافظات الأكثر احتياجاً ضمن مبادرة “حياة كريمة”، مع التركيز على الملف الصحي وتطوير المستشفيات العامة وتدريب الكوادر البشرية المصرية الشابة وفق أحدث المعايير الدولية، لتُثبت مصر أن عوائد التنمية في قطاع الطاقة تصب مباشرة في مصلحة المواطن البسيط، وتختتم هذه النسخة فعالياتها وهي تؤكد أن القاهرة لم تعد تكتفي بمجرد استضافة المؤتمرات، بل باتت تصيغ مستقبل الطاقة في المنطقة من منظور السيادة الوطنية والمصلحة المشتركة، لتظل مصر دائماً هي القلب النابض لشرق المتوسط والقوة الإقليمية التي لا غنى عنها في معادلة الاستقرار العالمي.
ممرات الطاقة
وعلى صعيد الصراعات الجيوسياسية حول ممرات الطاقة، كشفت مداولات النسخة التاسعة من “إيجبس” عن الدور المحوري الذي تلعبه الشبكة القومية للغاز الطبيعي في مصر كميزان قوى في منطقة شرق المتوسط، حيث لم تعد الدولة تكتفي بدور المنتج بل تحولت بفضل بنيتها التحتية العملاقة إلى منصة تسييل وتصدير إقليمية لا يمكن الاستغناء عنها لتأمين احتياجات القارة العجوز، وهو ما دفع رؤساء كبريات الشركات العالمية للتأكيد على أن الموقع الجغرافي الفريد لمصر، معطوفاً على وجود محطتي إسالة الغاز في “إدكو” و”دمياط”؛ يمنح القاهرة أفضلية تنافسية في تقليل تكلفة نقل الطاقة وزيادة مرونة الإمدادات، خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها سلاسل التوريد العالمية، مما يعزز من مفهوم “السيادة الطاقية” المصرية ويجعلها رقماً صعباً في معادلة الأمن القومي الأوروبي والعربي على حد سواء.
وفي سياق متصل، استفاض الملف في استعراض التحول النوعي لقطاع البترول المصري نحو “الرقمنة الشاملة” من خلال بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج (EUG)، التي تمثل ثورة تكنولوجية في كيفية طرح المزايدات العالمية واختصار المدى الزمني للعمليات الفنية من سنوات إلى أسابيع معدودة، حيث أتاح هذا النظام الرقمي للشركات العالمية الوصول إلى كافة البيانات الجيولوجية والمسوح السيزمية لمناطق الامتياز عبر الإنترنت، مما ساهم في جذب استثمارات من شركات تدخل السوق المصرية لأول مرة، ويعكس هذا التوجه رغبة الدولة في ميكنة كافة مفاصل قطاع الطاقة لضمان الشفافية الكاملة وتوفير بيئة خصبة للاستثمار الأجنبي المباشر، وهو ما يتماشى مع رؤية مصر 2030 في بناء اقتصاد رقمي قوي وقائم على المعرفة والتكنولوجيا المتطورة.
الاستدامة البيئية
أما عن ملف الاستدامة البيئية، فقد شهدت أروقة المعرض طرحاً فكرياً وتقنياً مغايراً يتجاوز مجرد الشعارات، حيث تم الكشف عن تفاصيل مشروعات “التقاط وتخزين الكربون” التي بدأت مصر في تنفيذها فعلياً بالتعاون مع شركاء دوليين لتحويل المنشآت البترولية القديمة إلى وحدات إنتاجية منخفضة الانبعاثات، وهذا التوجه لا يهدف فقط للحفاظ على البيئة، بل يسعى لتأمين استمرار قبول الغاز المصري في الأسواق العالمية التي تفرض قيوداً بيئية صارمة على الواردات، كما برزت الحيثيات المتعلقة بتوطين صناعة “البتروكيماويات الخضراء” كقيمة مضافة للموارد الطبيعية، بدلاً من تصديرها كمواد خام، مما يساهم في خلق آلاف فرص العمل المتخصصة للشباب المصري ويدعم الصناعة الوطنية بمنتجات وسيطة كانت تكبد ميزانية الدولة مليارات الدولارات لاستيرادها من الخارج.
وفي ختام هذا المشهد الاستراتيجي، تبرز أهمية الشراكة “المصرية – الخليجية” التي تجلت في الحضور القوي لشركات مثل “أدنوك” الإماراتية و”أرامكو” السعودية، واللتين استعرضتا خططاً طموحة للتوسع في قطاع التوزيع والخدمات البترولية داخل السوق المصرية الواعدة، حيث يمثل هذا التعاون “ظهيراً استراتيجياً” يعزز من قدرة الدول العربية على التحكم في وتيرة أسواق الطاقة العالمية وحماية مصالحها المشتركة، من خلال تطوير العنصر البشري المصري، واستعراض برامج إعداد القيادات الشابة وتأهيل الكوادر الفنية في مراكز التميز الدولية، لتُثبت مصر في نسختها التاسعة من “إيجبس” أنها لا تبني محطات وحقولاً فحسب، بل تبني جيلاً جديداً من خبراء الطاقة القادرين على قيادة قاطرة التنمية في العقود المقبلة بمهنية تضاهي أعلى المستويات العالمية
