![]()
يحل الحادي والعشرون من مارس حاملاً معه احتفاءً حقيقياً بجوهر البقاء الإنساني ومعنى العطاء غير المشروط، حيث يتجاوز عيد الأم في الوجدان المصري كونه مناسبة رمزية لتقديم الهدايا أو تبادل عبارات المودة، ليتجسد في وقفة إجلال سنوية لـ«عمود الخيمة» التي لم تمل يوماً من حمل أعباء الحاضر وتطلعات المستقبل، إذ قد برهنت الأم المصرية عبر العصور على أنها المربية الأولى والمخطط الاقتصادي البارع للأسرة، فضلاً عن كونها حائط الصد المنيع ضد أمواج التفكك الاجتماعي والتحولات العاصفة.
تحديات معاصرة
تُواجه الأم في المجتمع المصري تحديات مركبة تفرضها إيقاعات العصر المتسارعة؛ إذ تخوض “الأم العاملة” معركة يومية للتوفيق بين طموحها المهني وحرصها التربوي، بينما تقود “الأم المعيلة” سفينة الأسرة بمفردها وسط أنواء الضغوط الاقتصادية العالمية والمتغيرات الاجتماعية المتلاحقة. وقد تجاوز الدور الذي تلعبه الأم المفهوم التقليدي للرعاية، لتتحول بفعل الوعي إلى صمام أمان فكري ضد الأفكار الدخيلة التي تستهدف النيل من تماسك النسيج الوطني.
ويمتد دور الأم في المرحلة الراهنة ليدخل في صلب مفاهيم “الأمن القومي” بمعناه الشامل؛ فهي خط الدفاع الأول ضد محاولات اختطاف عقول الشباب وتزييف وعيهم. وفي ظل الفضاءات الإلكترونية المفتوحة، تبرز الأم كرقيب أخلاقي وبوصلة توجه الأبناء نحو التمسك بالهوية والترابط المجتمعي، إذ إن “صناعة الإنسان” داخل المنزل هي الرافد الأساسي الذي يمد الدولة بالكفاءات والمواطنين الصالحين، مما يجعل من تمكين الأم فكرياً وثقافياً ضرورة حتمية لمواجهة حروب الجيل الرابع التي تستهدف تفتيت الروابط الأسرية.
عبقرية اقتصادية
تظل “العبقرية الاقتصادية” للأم المصرية محوراً رئيساً في قراءة المشهد الاجتماعي، فيما يمكن تسميته بـ”اقتصاديات الحنان”. ففي ظل الأزمات المالية العالمية، تبرز الأم كمدير أزمة من الطراز الأول، تجيد ببراعة فطرية ترتيب أولويات الإنفاق مع الحفاظ على كرامة أسرتها، حيث تمثل قدرتها على “تدبير” شؤون المنزل بموارد محدودة معجزة يومية تضمن استمرار عجلة الحياة داخل ملايين البيوت.
وقد استوعبت الدولة هذا الدور الحيوي، فعززت برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للأم، إيماناً بأن الاستثمار في “الأم” هو المسار الأضمن للقضاء على الفقر المتوارث، حيث تأتي مبادرات مثل “تكافل وكرامة” كاعتراف رسمي بدور الأم في حماية الأمن القومي المجتمعي؛ إذ يؤدي تمكينها اقتصادياً إلى تحسين مؤشرات الصحة العامة، وتقليل نسب التسرب من التعليم، وضمان نشأة جيل يتمتع بسلامة بدنية ونفسية تصب في النهاية في مصلحة الإنتاجية الكلية للدولة.
حماية تشريعية
طوى الزمن صفحة الاحتفاء الشكلي بالأم، ليفتح آفاق “التمكين المؤسسي” الذي يترجم المحبة إلى حقوق أصيلة غير قابلة للتفاوض. ويُعد الحراك التشريعي الذي تقوده الدولة حاليا ً— خاصة في ملفات المواريث وتغليظ عقوبات العنف وإصلاحات قانون الأحوال الشخصية — بمثابة “ثورة تصحيحية” لرد الاعتبار للأم المصرية؛ إذ يأتي هذا الانحياز السياسي كاعتراف بمركزية الأم في استقرار الدولة وليس مجرد منحة عابرة؛ فالعدالة الاجتماعية الحقيقية تنطلق من إنصاف من نذرت حياتها لبناء الوطن عبر تربية أبنائه. وهو ما يستوجب تكاتفاً وثيقاً بين المجتمع المدني والبرلمان لضمان بيئة تشريعية تحمي الأم في شيخوختها، تقديراً لما قدمته للمجتمع في شبابها.
ويبرز عيد الأم كميثاق عرفان سنوي نجدد فيه العهد بوضع قضايا الأمومة على رأس أولويات الأجندة الوطنية؛ فتكريم الأم يتجاوز حدود الحادي والعشرين من مارس، ليصبح ثقافة يومية تعكس رقي المجتمع وتحضره؛ فالأم التي صمدت في وجه التحديات، واستبدلت الألم بالأمل، والجهل بالنور، تستحق وطناً يليق بحجم تضحياتها. فسلامٌ على كل أم مصرية تظل الرمز الخالد للعطاء، والكلمة الأخيرة في كتاب الصمود المصري العظيم.
