سليدرعربي ودولي

البرهان بين الحرب والمصالحة.. خطاب مرتبك

يبدأ المشهد السوداني مع مطلع عام جديد على مفارقة لافتة في خطاب قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، مفارقة تجمع بين لغة الحرب الكاملة ودعوات المصالحة الوطنية، في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا وعسكريا، بينما لا تزال نيران القتال مشتعلة في أكثر من إقليم، وتزداد الكلفة الإنسانية يومًا بعد يوم.

خطاب تاريخي

ويطل البرهان من أمام القصر الجمهورى فى الخرطوم، فى خطاب مشحون بالرمزية التاريخية، ليؤكد أن «النصر قادم» وأن المعركة ضد قوات الدعم السريع تمثل امتدادًا لمعركة الاستقلال، مستدعيًا الذاكرة الوطنية ومخاطبًا الوجدان الجمعي للسودانيين، فى محاولة لإضفاء شرعية معنوية على استمرار الحرب وربطها بسردية التحرر من «استعمار بثوب جديد».

وتكشف نبرة الخطاب، رغم طابعها التعبوي، عن إصرار واضح على الحسم العسكرى، خاصة مع توصيف قوات الدعم السريع بالتمرد والخيانة، وهو توصيف يعمّق من حالة الاستقطاب الداخلى ويغلق عمليًا مساحات التهدئة، فى وقت تحتاج فيه البلاد إلى خطاب سياسى جامع يخفف من حدة الانقسام.

مصالحة وطنية

ويطرح التناقض نفسه بقوة حين ينتقل البرهان فى الخطاب ذاته إلى الحديث عن مصالحة وطنية، مؤكدًا أن «أبوابها ما زالت مشرعة»، وهو ما يراه متابعون محاولة لاحتواء الضغوط السياسية والدولية، أكثر منه توجهًا فعليًا نحو تسوية شاملة، خاصة أن الدعوة للمصالحة جاءت مشروطة بالانضمام إلى «الحق» وفق تعريف السلطة العسكرية.

ويرى اللواء شبل عبدالجواد، الخبير الأمنى، أن الخطاب يعكس حالة ارتباك استراتيجى داخل القيادة العسكرية، موضحًا أن «الجمع بين دعوة المصالحة والتمسك الكامل بالخيار العسكرى يبعث برسائل متناقضة، لا تشجع أى طرف داخلى أو خارجى على الثقة فى جدية إنهاء الحرب»، مشيرًا إلى أن تفكيك قوات الدعم السريع كشرط مسبق «يعنى عمليًا استمرار الصراع وليس حله».

حروب أهلية

ويؤكد عبدالجواد أن التجارب الإقليمية تثبت أن إنهاء الحروب الأهلية لا يتم عبر الإقصاء الكامل، بل من خلال ترتيبات أمنية تدريجية تضمن دمجًا أو إعادة هيكلة، محذرا من أن إطالة أمد الحرب ستؤدى إلى تفكك مؤسسات الدولة وفتح المجال أمام تدخلات خارجية أوسع.

وتذهب المحللة السياسية رشا فتحى إلى أن خطاب البرهان يهدف بالأساس إلى إعادة إنتاج الشرعية السياسية للسلطة العسكرية، معتبرة أن «استخدام رمزية الاستقلال والتاريخ الوطنى محاولة لحشد الشارع خلف الحرب، فى ظل تراجع القدرة على تحقيق حسم عسكرى سريع». وتضيف أن دعوة المصالحة «جاءت فضفاضة بلا آليات أو ضمانات، ما يجعلها أقرب إلى رسالة علاقات عامة موجهة للخارج».

وتشير فتحى إلى أن اشتراط تفكيك الدعم السريع قبل أى تسوية «يتناقض مع الواقع الميدانى»، موضحة أن القوات تسيطر على مساحات واسعة فى دارفور وأجزاء من كردفان، وتمثل رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه فى أى معادلة سياسية، لافتة إلى أن الموقف الأمريكى الرافض لهذه الشروط يعكس إدراكًا دوليًا لتعقيدات المشهد.

يأتي الخطاب فى سياق محاولات الحكومة العودة تدريجيًا إلى الخرطوم من بورتسودان، وهو ما يفسره مراقبون كخطوة رمزية تهدف إلى إظهار السيطرة واستعادة صورة الدولة، رغم أن العاصمة لا تزال مسرحًا لاشتباكات متقطعة، وتعاني دمارا واسعًا فى البنية التحتية.

كارثة إنسانية 

تتفاقم الكارثة الإنسانية مع استمرار القتال، حيث تشير التقديرات إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، فى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية فى العالم، بينما يؤدى التصعيد فى كردفان ودارفور إلى موجات نزوح جديدة تزيد الضغط على المجتمعات المنهكة.

ويخلص مراقبون إلى أن خطاب البرهان، بما يحمله من ازدواجية، يعكس مأزق السلطة العسكرية بين الرغبة فى الحسم والخشية من العزلة السياسية، مؤكدين أن أى مسار جاد نحو السلام يتطلب وضوحًا فى المواقف، وإرادة حقيقية لتقديم تنازلات متبادلة، بعيدًا عن الشعارات التعبوية التى قد تطيل أمد الحرب ولا تنهِيها

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=10653

موضوعات ذات صلة

27 دائرة بـ10 محافظات تحسم “النصاب” البرلماني

أيمن مصطفى

الأمير تشارلز لـ«صوت البلد»: الأمل يتحول إلى رسالة دولية

ضاحى محمود

الزراعة : دروس خصوصية لزيادة الإنتاجية

المحرر

لوران موفينيه يخطف “غونكور” برواية تفتح باب الذكريات

المحرر

هندسة الكوادر البشرية.. ريادة «شتاء رقمي»

أيمن مصطفى

خبير: مبادرة التسهيلات الضريبية دعم للاقتصاد وثقة للمستثمرين

أيمن مصطفى