ثقافة وأدبسليدر

النهار والشجن.. قراءة في عالم أسامة أنور عكاشة

   يأتي كتاب “النهار والشجن: إطلالات على عالم أسامة أنور عكاشة” للناقد والقاص أحمد رجب شلتوت، الصادر عن وكالة الصحافة العربية بالقاهرة – 2026، كمحاولة نقدية لاستكشاف أحد أكثر العوالم الإبداعية رسوخًا في الوجدان المصري والعربي. فالكتاب لا ينظر إلى أسامة أنور عكاشة بوصفه مجرد كاتب درامي قدّم أعمالًا لاقت حضورًا واسعًا، بل يقدمه باعتباره صاحب مشروع فني وفكري امتد أثره إلى التاريخ والاجتماع والذاكرة وأسئلة الهوية.

منذ عنوانه، يفتح الكتاب بابًا على ثنائية دالة: “النهار” و”الشجن”. وهي ثنائية لا تبدو مجرد اختيار لغوي ذي طابع شعري، بل مفتاحًا تأويليًا يقرأ من خلاله شلتوت عالم عكاشة كله. فالنهار هنا هو فضاء الواقع اليومي بما يضج به من صراعات وتفاوتات وانكسارات، أما الشجن فهو ذلك الإحساس العميق الذي يتسلل إلى الشخصيات وهي تصطدم بقسوة العالم وتبدل القيم وتآكل الأحلام. وبين الاثنين تنشأ دراما عكاشة، حيث لا ينفصل الاجتماعي عن الإنساني، ولا تنعزل الحكاية عن الأسئلة الكبرى.

يعتمد شلتوت في قراءته على بناء نقدي متدرج، يبدأ من السياق الذي تشكل فيه وعي عكاشة، مرورًا بالأدوات الفنية التي صاغ بها شخصياته وحبكاته، وصولًا إلى الأفق الفكري الذي جعل من نصوصه أكثر من مجرد أعمال للمتابعة أو التسلية. ويبدو واضحًا أن المؤلف حريص على وضع تجربة عكاشة داخل زمنها، رابطًا بينها وبين التحولات التي عرفها المجتمع المصري منذ النصف الثاني من القرن العشرين، من الحلم القومي إلى الانفتاح الاقتصادي، ومن صدمات السياسة إلى تبدلات البنية الاجتماعية والثقافية.

ولا يقرأ الكتاب هذه التحولات بوصفها خلفية تاريخية وحسب، بل بوصفها مادة حية دخلت في نسيج الكتابة نفسها. فشخصيات عكاشة، كما يكشف شلتوت، ليست معزولة عن لحظتها، بل هي ابنة مباشرة للقلق الاجتماعي والتبدل الطبقي والارتباك القيمي الذي أصاب المجتمع المصري في مراحل مختلفة. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب، لأنه لا يتوقف عند سطح الأعمال أو شهرتها، بل يذهب إلى ما وراءها، إلى البنية التي جعلت من هذا الكاتب مرآة شديدة الحساسية لعصره.

مشروع متصل

ومن الجوانب اللافتة في الدراسة أن شلتوت لا يحصر اهتمامه في المسلسلات التلفزيونية وحدها، رغم أنها تمثل الذروة الأشهر في حضور عكاشة الجماهيري، بل يمد النظر إلى أعماله الأدبية والسينمائية والمسرحية أيضًا، كاشفًا عن خيوط مشروع متصل تتجاوب عناصره وتتساند. وبهذا المعنى، فإن الكتاب يدعو إلى إعادة النظر في صورة عكاشة الشائعة، تلك التي تختزله في كاتب تلفزيوني بارع، ليقدمه بدلًا من ذلك بوصفه مثقفًا مشغولًا بتأمل المجتمع، وباحثًا دؤوبًا في أحوال الإنسان المصري وتحولاته.

ويمنح شلتوت عناية خاصة للثنائية التي اختارها عنوانًا لكتابه، موضحًا أن “الشجن” في عالم عكاشة ليس أثرًا نفسيًا عابرًا، بل حالة وجودية ممتدة، تكاد تكون نبرة داخلية تلازم الشخصيات وهي تواجه ما يتبدد حولها من علاقات وأحلام ويقين. أما “النهار”، فلا يأتي مجرد لحظة مضيئة أو زمن للحركة، بل ميدانًا مكشوفًا للصراع الاجتماعي والسياسي، حيث تتبدى التناقضات في أوضح صورها. ومن هذا الاشتباك بين الداخل والخارج، بين الوجدان والواقع، تتولد فرادة عكاشة الدرامية.

كما يتوقف الكتاب عند براعة عكاشة في تحويل المكان إلى عنصر حي داخل العمل. فالحارة، والمقهى، والبيت الشعبي، والشارع، ليست ديكورًا عابرًا، بل فضاءات تصنع الشخصيات وتضغط عليها وتشارك في صياغة مصائرها. ويبيّن شلتوت أن سر قوة هذا العالم يكمن في كثافة التفاصيل اليومية التي التقطها عكاشة بوعي فني عال، بحيث صار المتلقي يشعر أنه يرى المجتمع من داخله، لا من مسافة خارجية باردة.

وفي قراءته لعدد من الأعمال البارزة، يلفت المؤلف إلى قدرة عكاشة على جعل الأسرة بنية رمزية للمجتمع، وعلى تحويل العلاقات الخاصة إلى صورة أوسع للصراعات الطبقية والسياسية والثقافية. كما يبرز حضور المرأة في هذا العالم بوصفها شخصية محورية، تحمل أحيانًا عبء الصمود، وتكشف من خلال معاناتها تصدع البنية الاجتماعية وتآكل القيم القديمة. واللافت أن هذه القراءة لا تتورط في التبجيل، بل تحافظ على مسافة نقدية تجعلها أكثر توازنًا وجدوى.

ومن العناصر المهمة التي يتناولها لغة عكاشة، خاصة توظيفه للعامية المصرية توظيفًا فنيًا بالغ الوعي. فالعامية عنده ليست مجرد أداة واقعية تمنح الحوار صدقه، بل وسيط دلالي قادر على حمل المعنى الاجتماعي والنفسي والثقافي. ومن هنا يكشف شلتوت كيف نجح عكاشة في أن يمنح اللغة اليومية بُعدًا فنيًا رفيعًا، يجعلها جزءًا أصيلًا من تكوين النص، لا مجرد وعاء للأحداث.

المرونة والدقة

أما من حيث الأسلوب، فيكتب أحمد رجب شلتوت بلغة تجمع بين الوضوح والمرونة، وبين المعرفة النقدية والقدرة على السرد الأدبي. فهو يستفيد من مناهج حديثة في القراءة دون أن يحول النص إلى عرض نظري مغلق، ويحتفظ بحيوية اللغة من غير أن يفرط في الدقة. وهذه واحدة من مزايا الكتاب الأساسية، إذ يظل قريبًا من القارئ العام، وفي الوقت نفسه يحتفظ بقدر معتبر من الجدية النقدية.

تنبع أهمية “النهار والشجن” من أنه لا يكتفي باستعادة اسم كبير في الدراما العربية، بل يحاول إعادة وضعه في مكانه الثقافي الأوسع. إنه كتاب يقرأ أسامة أنور عكاشة باعتباره ظاهرة فنية وفكرية، لا مجرد صانع حكايات ناجح. ومن هذه الزاوية، تبدو العودة إليه اليوم فعلًا ثقافيًا ضروريًا، لأن أسئلته عن المجتمع والسلطة والعدالة والهوية لا تزال حاضرة، ولأن أعماله ما زالت تحتفظ بقدرتها على تفسير كثير مما جرى ويجري.

أسماء قدري

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15530

موضوعات ذات صلة

الرهبنة القبطية.. دراسة في رسائل التأسيس ووصايا الروح

حازم رفعت

مصر في حضرة البهجة

أيمن مصطفى

تطوير 30 جمعية بالأراضي المستصلحة

المحرر

مستقبل وطن يكتسح في الرمل والإعادة تحسم الصراع

أيمن مصطفى

جراحات المخ والأعصاب بالقصر العينى والشراكة مع كيل الألمانية

المحرر

الباعة الجائلون “يخنقون” شارع ٦ أكتوبر بالمنتزه ثان

أيمن مصطفى