
مع دقات الساعة التي تعلن رحيل اليوم السادس من شهر رمضان المبارك، نجد أنفسنا نقف على أعتاب اليوم السابع، لنغلق بذلك صفحة الأسبوع الأول من الشهر الفضيل؛ حيث إنها تلك اللحظة التي يتوقف فيها الصائم ليتأمل كيف مرّت هذه الأيام السبعة الأولى كلمح البصر؛ فاليوم نتمُّ أسبوعنا الأول في رحاب الطاعة، متجاوزين مرحلة “الاعتياد الجسدي” لنرتقي نحو “الاستغراق الروحي” الكامل.
الصوم حالةً من السكينة تغلف البيوت بعيداً عن مجرد الامتثال لجدول زمني؛ فبات الصائم يدرك أن رمضان هو تلك الفرصة الاستثنائية لإعادة ترتيب الأولويات التي تاهت منا في زحام العام وضجيج التحديات الراهنة، متجاوزاً بذلك كونه مجرد ضيف عابر يمر على الأبدان دون أن يلمس القلوب؛ ففلسفة “اللمة” التي نعيشها اليوم تعد العمود الفقري لرمضان في وجداننا المصري الأصيل، ففي عصر طغت فيه الشاشات الزرقاء وفرقت بين المرء وأخيه، تبرز مائدة الإفطار لتعيد الاعتبار للوجه البشري والحديث المباشر، إذ إنها اللحظة التي نترك فيها هواتفنا جانباً لننظر في عيون بعضنا البعض، مستعيدين دفء الانتماء للأسرة الكبيرة والصغيرة؛ لتتجاوز هذه “اللمة” كونها مجرد اجتماع على طعام، لتصبح “مصلاً واقياً” ضد العزلة النفسية؛ فصوت الأواني وتداخل الضحكات قبل الأذان هي السمفونية التي ترمم ما أفسده ضجيج العالم الخارجي في نفوسنا طوال العام، وهي التي تعيد صياغة مفهوم “البيت” كحضن آمن للجميع.
نضج الصيام
وفي ظل الظروف الراهنة التي يمر بها العالم، تغدو البهجة الرمضانية نوعاً من أنواع المقاومة النفسية الراقية؛ فحين يصر المصريون على تعليق الزينة الورقية والقماشية في الحواري والدروب رغم كل الضغوط، إنما هم يعلنون للعالم تمسكهم بالحق في الفرح والرضا، متجاوزين بذلك أي طقس شكلي؛ فتلك الأنوار الخافتة التي تتلألأ في شرفات المنازل هي رسائل طمأنينة نبثها لبعضنا البعض، مفادها أن البركة تجعل من القليل كفافاً، ومن الضيق سعة، وأن الإيمان بالفرَج هو وقودنا الحقيقي للاستمرار في وجه أزمات الحياة اللاهثة.
ومع دخولنا في اليوم السابع، تكتسب خطواتنا نحو المساجد ثباتاً وألفة، ويتحول صوت الإمام وهو يتلو آيات الذكر الحكيم إلى بلسم يداوي جراح الروح؛ فصلاة التراويح هي ذلك “المعراج الروحي” الذي نتحلل فيه من أثقال المادة وقيود الجسد، وفي تلك الساعات المباركة، تذوب الفوارق الطبقية تماماً، حيث يقف الجميع في اصطفاف مهيب يذكرنا بجوهرنا الإنساني الواحد، حيث إنها لحظات استعادة “البوصلة” المفقودة، حين يهمس العبد لربه في السجود بكل ما يثقل كاهله، فيخرج إلى الحياة بروح خفيفة وقلب مطمئن، مستعداً لخوض غمار الحياة بنظرة أكثر تفاؤلاً.
إننا الآن في قلب المعركة الحقيقية مع النفس؛ فبعد مرور ستة أيام كاملة، يتحول الحماس العاطفي الأولي إلى “انضباط إيماني” عميق؛ حيث قد علمنا رمضان أن القوة الحقيقية تكمن في تلك الإرادة التي تمنع اليد عن الحرام، والعين عن الخيانة، واللسان عن الغيبة والنميمة، بعيداً عن مفاهيم السطوة أو النفوذ الزائل؛ فهذه الروح الإيمانية هي التي تصنع “الإنسان الجديد” الذي نرجو أن يولد من رحم هذا الشهر، فالصيام الحقيقي هو صيام الجوارح عن كل ما يؤذي الآخرين، وهو الاختبار الواقعي الذي نعيشه في مكاتب العمل وفي زحام الشوارع على حد سواء، لنثبت لأنفسنا قبل الآخرين أننا قادرون على التغيير.
ولا تكتمل صورة رمضان دون تسليط الضوء على “يد الخير”؛ ففي الأسبوع الأول، تسابق الجميع في تقديم المساعدات، غير أن التحدي الحقيقي يبدأ فعلياً مع دخول الأسبوع الثاني؛ فشهر رمضان يدفعنا للبحث عن “المتعففين” الذين لا يسألون الناس إلحافاً، إذ إن تفقد أحوال الناس في هذه الأيام هو أرقى أنواع التعبد.
الله يُعبد في مساعدة مكروب، أو جبر خاطر إنسان ضاقت به سبل العيش، لتتحول الروحانية هنا من مجرد “شعور” حبيس القلب إلى “فعل” ملموس يغير واقع الناس ويحقق مفهوم “الجسد الواحد” الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وكلما تعمقنا في الشهر، يداهمنا الحنين لرمضان “زمان” وتفاصيله التي لا تُنسى، ومع تبدل ملامح الزمن، نظل نحن من يصنع “الآن” ليكون “زماناً جميلاً” لأبنائنا في المستقبل.
ومن واجبنا أن ننقل للأجيال الجديدة روح الشهر وجوهره متجاوزين القشور المادية؛ لنعلمهم أن رمضان هو شهر “الانتصارات الكبرى” على الأنانية والجشع؛ حيث إن الحفاظ على الهوية الرمضانية المصرية، بمذاقها الخاص وتلاحم نسيجها، أمانة وطنية واجتماعية تضمن بقاء هذا الوطن واحة للأمان، وتحمي ذاكرتنا الشعبية من الذوبان في عالم مادي لا يرحم.
إن انقضاء الأيام الستة الأولى هو جرس إنذار محبب، ينبهنا إلى أن الضيف يسرع الخطى نحو الرحيل؛ فمن كان منا قد فترت همته، فالباب لا يزال مشرعاً والسباق في بدايته؛ لذا دعونا نجعل من الأيام القادمة فرصة لتعميق صلاتنا الإنسانية، ولتكن “اللمة” ميثاقاً للود يتجاوز حدود الشهر الفضيل؛ رمضان هو “محطة وقود” روحية مكثفة، نتزود منها بما يكفينا لمواجهة وعثاء الطريق في بقية العام بقلوب أكثر نقاءً وعقول أكثر حكمة.
