
مع إشراقة عام 2026، أطلت علينا “مجلة المسرح” في ثوبها الجديد، محملة بملفات نقدية وتوثيقية رفيعة المستوى، تجمع بين عراقة الماضي واستشراف مستقبل “أبو الفنون”، حيث قد جاء العدد الجديد كبانوراما شاملة تتقصى أثر الرواد وتناقش أحدث التحولات التكنولوجية والاجتماعية التي تفرض نفسها على الخشبة العربية والعالمية.
بوح الذكريات
تتصدر صفحات العدد الحلقة الحادية عشرة والأخيرة من مذكرات الفنان القدير محمود الحديني، التي يكتبها محمود قنديل. يسلط المقال الضوء على فترات مفصلية في تاريخ المسرح المصري، حيث يروي الحديني كواليس قيادته للمركز القومي والبيت الفني للمسرح، ويكشف لأول مرة تفاصيل تحويل مسرح البلدية إلى “أوبرا دمنهور” بتكليف من الوزير الأسبق فاروق حسني، بالإضافة إلى رحلة تأهيل مسرح سيد درويش بالإسكندرية، ليضع بذلك وثيقة تاريخية هامة بين يدي القراء.
من قضايا المرأة إلى “مسرح الفقراء”
وفي جولة فكرية عالمية، أفردت المجلة مساحة واسعة لتمكين المرأة عبر مقال للكاتبة سناء الجمل، بينما استعرض حسن عبد الرازق صدى المسرح العراقي في لندن. ولم يغب البعد الاجتماعي، حيث رصد د. صالح سليمان فلسفة “مسرح الفقراء” عالمياً. كما شمل العدد قراءات في التأصيل العربي والمستويات الأسطورية بأقلام د. صفاء البيلي، محمد صابر، وعبد السلام إبراهيم.
صدام الإبداع والذكاء الاصطناعي
ولأننا في عام 2026، كان لزاماً طرح الأسئلة الوجودية للمسرح؛ حيث ناقشت رشا عصمت إشكالية “من يشكل من؟” في عصر الذكاء الاصطناعي. وفي سياق الإدارة الإبداعية، حلل حمدي أبو العلا تجربة الفنان خالد جلال في الموازنة بين فن الإدارة وسحر الإبداع. كما تضمن العدد دراسات تقنية متخصصة حول “توظيف الحواس” لهبة عريبة، ومصطلح “البروكسمياء” للدكتور كمال يونس، بجانب حوار خاص مع الفنانة ريم أحمد.
تراث وتوثيق ومتابعات نقدية
لم يغفل العدد الجانب التراثي؛ حيث نبش عبد الهادي شعلان في إبداع عبد الرحمن الشرقاوي، ووثق د. سيد علي إسماعيل تاريخ معهد التمثيل الأهلي. وعلى صعيد النقد التطبيقي، تابعت المجلة أحدث العروض مثل “مفتاح شهرة”، “حكاية عبد المطيع”، وعرض “بين المية والهواء”، بالإضافة إلى تغطية مميزة لمهرجان “مسرح الحرية”.
شملت الوجبة الثقافية للعدد الجديد مقاربات فنية بين الرواية والسينما والمسرح، وتحديداً في رواية «القاهرة 30»، وتوظيف السينما في عرض «أم كلثوم». وأفردت د. داليا الدسوقي وبكر صابر ملفاً خاصاً عن دور مسرح الطفل في بناء الوعي التربوي، ليأتي العدد مكتملاً يليق بطموحات الجمهور في مطلع هذا العام.
المسرح بين مطرقة التكنولوجيا وسندان الهوية
وبقراءة نقدية لمحتوى هذا العدد، نجد أن المجلة نجحت في وضع إصبعها على الجرح الغائر في جسد المسرح المعاصر؛ فإثارة تساؤل “من يشكل من؟” في ظل سطوة الذكاء الاصطناعي ليست مجرد ترف فكري، بل هي صرخة تحذيرية في عام 2026، حيث يبدو أن النقد المسرحي اليوم بات مطالباً بتعريف جديد “للبشرية” على الخشبة، فهل تظل الروح الإنسانية هي القائد، أم أن الخوارزميات ستتحول من “أداة عرض” إلى “صانع رؤية”؟ هذا التضاد الذي طرحته المجلة يعكس وعياً عميقاً بضرورة حماية خصوصية الإبداع البشري أمام زحف الآلة.
جدلية الإدارة والابداع: هل نجحت المؤسسة؟
من زاوية أخرى، يفتح العدد ملفاً شائكاً حول “الإدارة والإبداع”، وهو الملف الذي طالما كان حجر عثرة في نهضة المسرح العربي، إذ إن تحليل تجربة “خالد جلال” أو مذكرات “الحديني” يكشف عن فجوة تاريخية نحاول ردمها في 2026؛ وهي كيف يمكن للمبدع أن يقود مؤسسة دون أن تبتلعه البيروقراطية؛ فالنقد هنا لا يتوقف عند سرد الإنجازات، بل يدفعنا للتساؤل: هل استطاعت الإدارة المسرحية الحديثة أن توفر “بيئة آمنة” للتجريب، أم أنها لا تزال رهينة للموازنات واللوائح الجامدة؟ إن طرح هذه الملفات في توقيت واحد يضع القارئ أمام مواجهة صريحة مع آليات صناعة الفن في مصر.
