رياضةسليدر

محمد صلاح.. حينما تسجل “الإنسانية” أجمل أهداف العمر

بعيداً عن أضواء الملاعب الأوروبية الساطعة، وصخب “الأنفيلد” الذي يهتز لهتافات الجماهير التي تُمجد أهدافه الحاسمة، يرسم النجم المصري محمد صلاح صورة أخرى للبطل؛ بطلٌ لا يكتفي بارتداء قميص كرة القدم المرصع بالألقاب، بل يرتدي وشاح الإنسانية والعطاء بزهوٍ وتواضعٍ في آنٍ واحد؛ حيث يكشف التقرير الحديث الذي نشرته صحيفة “موندو ديبورتيفو” الإسبانية، جوانب لم تتحدث هذه المرة عن سرعة “مو” أو مهارته في اختراق الدفاعات، بل انزاح الستار فيه عن سجلٍ حافلٍ من المبادرات الخيرية التي تجعل من “فرعون مصر” ظاهرة فريدة تتجاوز حدود الرياضة لتستقر في وجدان الإنسانية.

إن ما يفيض به كف محمد صلاح من سجايا البذل وصنائع المعروف، لا يختزل في كونه تبرعات عابرة يروم بها نجم تجميل صورته أمام الأضواء؛ بل هو عقيدة وفاء ونهج حياة صاغه استشعار عميق بأمانة المسؤولية حيال الوطن؛ ففي الوقت الذي تشير فيه لغة الأرقام إلى بذله ستة بالمائة من ثروته الشخصية، واضعا اسمه في سدة الرياضيين الأكثر سخاء على وجه البسيطة، نجد أن القيمة الأسمى لا تحيا في جفاف الأرقام، وإنما تنبض في تلك الآثار المستدامة التي تربت على أكتاف البسطاء في مسقط رأسه بقرية نجريج وتمتد لتشمل ربوع مصر؛ ليرسم بذلك أرقى معاني النجاح؛ ذلك الذي لا تكتمل فصوله إلا حين يغدو غيثا يحيي المجتمع بأسره.

لم تكن أهداف “صلاح” في شباك الخصوم هي وحدها التي أسعدت المصريين، بل كانت تلك “الأهداف المجتمعية” التي سجلها في شباك الفقر والمرض؛ فتمويل المستشفيات، وإنشاء محطات معالجة المياه، وتأسيس معاهد تعليمية، وصولاً إلى تقديم مساعدات شهرية ثابتة لآلاف الأسر الأكثر احتياجاً، هي “البطولة الحقيقية” التي ستبقى خالدة في ذاكرة الناس حتى بعد أن يعلق حذاءه الرياضي.

إن صلاح اليوم يثبت للعالم أجمع أن النجاح الحقيقي ليس في عدد الكؤوس التي ترفعها يداك، بل في عدد الأيدي التي تمتد لتنتشلها من الحاجة، وفي كم الابتسامات التي ترسمها على وجوه أطفالٍ رأوا فيك “الأمل” قبل أن يروك “الأسطورة”.

فن العطاء

محمد صلاح لم يعد مجرد “أيقونة ليفربول” أو هداف الدوري الإنجليزي التاريخي، بل أصبح مدرسة في “فن العطاء”؛ فهو نموذج يُحتذى به لكل شاب مصري وعربي، يخبرهم بصمتٍ وعملٍ دؤوب أن القمة تتسع للجميع، وأن الصعود إليها لا يعني نسيان الجذور، بل يعني سحب تلك الجذور معك نحو النور.

سيظل صلاح “صانع الأمل” الأول، ليس لأنه يسجل من زوايا مستحيلة فحسب، بل لأنه فتح أبواب الحياة الكريمة من زوايا كانت مغلقة أمام الكثيرين؛ حيث إن الفلسفة التي يقوم عليها عطاؤه تتجاوز مجرد العمل الخيري التقليدي؛ إذ إنه يجسد نموذجاً حياً لـ”رد الجميل” للمجتمع الذي نشأ فيه؛ فلقد فهم صلاح مبكراً أن الشهرة والقوة المالية هما أداتان للتغيير الإيجابي وليستا مجرد امتيازات شخصية؛ فهذا الفهم العميق للمسؤولية الاجتماعية هو ما يجعله حالة فريدة في عالم كرة القدم الحديث، الذي غالباً ما يغرق في البذخ والاستعراض.

الجانب الأكثر تأثيراً في مبادرات صلاح هو “الاستدامة”؛ فالأمر لا يتعلق بتقديم معونة عاجلة لمرة واحدة، بل بتمويل مشاريع تضمن كرامة مستمرة للمستفيدين؛ فمحطات معالجة المياه ليست مجرد هبة، بل هي استثمار في صحة مجتمع كامل على المدى الطويل. وبناء المدارس والمعاهد هو استثمار في رأس المال البشري، مما يضمن خروج أجيال جديدة قادرة على تغيير واقعها بنفسها، تماماً كما فعل “أيقونتهم” التي انطلقت من تراب القرية إلى العالمية.

لا يمكن فصل هذه الروح الإنسانية عن البيئة المصرية الأصيلة التي نشأ فيها؛ فصلاح لم ينسَ جذوره الفلاحية البسيطة التي غرست فيه قيم التكافل والترابط الاجتماعي؛ فهو لا يتعامل مع أهل قريته كمعجبين أو “متلقين لصدقة”، بل كأهل وعائلة كبيرة يستحقون الأفضل، حيث إن هذه الأصالة هي سر الحب الجارف الذي يحظى به في مصر، حب يتجاوز الانتماءات الكروية وينصهر في بوتقة الفخر الوطني بشخص يمثلهم خير تمثيل في المحافل الدولية.

في خضم عالمٍ رياضي تحكمه عقود الرعاية والمليارات، يأتي صلاح ليذكرنا بأن القوة الحقيقية للنجم لا تقاس بعدد متابعيه على “إنستجرام”، بل بعدد الأرواح التي أضاء لها بصيص أمل؛ حيث قد حوّل صلاح نجوميته إلى منبر للعطاء، وأثبت أن الرياضي يمكن أن يكون سفيراً للإنسانية بنفس قدر كونه سفيراً لوطنه في الملاعب.

وبينما يواصل محمد صلاح كتابة التاريخ بأهدافه على المستطيل الأخضر، فإنه يسطر تاريخاً آخر أكثر أهمية وأبقى أثراً في سجل الإنسانية؛ فهو لم يكتفِ بأن يكون الأفضل في مركزه كلاعب فحسب، بل سعى ليكون الأفضل كإنسان. رسالته واضحة وجلية: النجاح الحقيقي هو مشروع مجتمعي متكامل، والبطولة الأسمى هي أن تترك العالم مكاناً أفضل مما كان عليه حين جئت إليه.

 

 

 

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=10739

موضوعات ذات صلة

فلسفة «الحصان الباكي»

أيمن مصطفى

اعرف موعد مباراة بيراميدز ومسار في كأس مصر

محمد عطا

كشف خطة بيراميدز للموسم الجديد ٢٠٢٥

المحرر

جنون الاسعار وصرخة مريض

المحرر

تراكم القمامة يغتال جمال الإسكندرية

أيمن مصطفى

مسلسل انهيار العقارات القديمة بالإسكندرية عرض مستمر

أيمن مصطفى