اقتصاد وأعمالسليدر

معركة الوعي والرقابة.. حماية “قوت” المواطن

 

 

حماية “قوت” المواطن وضبط الأسعار

 

تُعد قضية الأمن الغذائي وحماية الأسواق من التلاعب والمضاربة، التحدي الأبرز الذي يواجه الإدارة الاقتصادية في الوقت الراهن؛ حيث إن المتابع للمشهد المحلي يدرك أن الدولة تخوض حرباً متعددة الجبهات لضمان استقرار السلع الأساسية، وهي حرب تتجاوز في أبعادها مجرد توفير المعروض، لتصل إلى ضرورة كسر شوكة التنظيمات العشوائية التي تتحكم في سلاسل الإمداد وتفرض أسعاراً تفوق القدرة الشرائية للمواطن البسيط.

فلسفة التلاعب بالأسعار

الأزمة الراهنة في تسعير السلع تعود في جوهرها إلى اختلال موازين التداول لا الإنتاج. فالمؤشرات الرسمية تؤكد وجود وفرة في المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية لمستويات قياسية، ومع ذلك، تظهر بين الحين والآخر فجوات سعرية غير مبررة؛ إذ يعزو الخبراء هذا التناقض إلى وجود “حلقات وسيطة” تعمل خارج نطاق الرقابة الرسمية، حيث تعمد هذه الفئات إلى تخزين كميات ضخمة من السلع لتعطيش السوق ثم طرحها بأسعار مضاعفة، وهو ما يمثل طعنة في خاصرة جهود الحماية الاجتماعية التي تبذلها الحكومة.

الرؤية الرقابية الآن قد انتقلت إلى مرحلة جديدة تعتمد على “الملاحقة الاستباقية”، حيث لم تعد الحملات التموينية مجرد رد فعل لشكاوى المواطنين، وإنما تحولت إلى عمل استخباراتي معلوماتي يتتبع مسار السلع من المنشأ حتى وصولها إلى منافذ التجزئة، إذ إن هذا التحول يهدف إلى تقليص الفجوة بين سعر الجملة وسعر المستهلك، ومنع التربح غير المشروع الذي يمارسه بعض كبار الموردين على حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة.

وفي إطار التوجه نحو الجمهورية الجديدة، أصبحت الرقابة الرقمية هي الضمانة الوحيدة لمنع تسرب الدعم؛ فربط الموانئ والمصانع والمستودعات بمنظومة إلكترونية موحدة يتيح لصانع القرار مراقبة حركة تداول السلعة لحظة بلحظة؛ فهذه المنظومة تمنع التلاعب بالكميات المخصصة للمحافظات، وتضمن وصول السلع الاستراتيجية إلى وجهتها الصحيحة دون تدخل من أصحاب المصالح. كما أن تفعيل التطبيقات الإلكترونية التي تسمح للمواطن بالتبليغ الفوري عن المخالفات، يُعزز من مفهوم “الرقابة الشعبية” ويوفر قاعدة بيانات ضخمة تساعد الجهات الأمنية والرقابية في تحديد بؤر الجشع والتعامل معها بقوة القانون.

وتمثل المنافذ الثابتة والمتحركة التابعة للدولة حائط الصد الأخير ضد الاحتكار؛ حيث إن هذه المنافذ لا تهدف فقط إلى البيع بسعر مخفض، بل تؤدي دوراً استراتيجياً في خلق حالة من “التوازن القسري” في السوق الحرة؛ فعندما يجد التاجر المحتكر أن المواطن لديه بدائل آمنة وبأسعار عادلة، يضطر مرغماً إلى خفض هوامش ربحه للمنافسة؛ ومن هذا المنطلق؛ فإن التوسع في هذه المنافذ داخل القرى والنجوع يُعد ضرورة قصوى لضمان وصول مظلة الحماية إلى مستحقيها الفعليين، بعيداً عن تغول القطاع الخاص غير المنضبط في بعض المناطق.

ضبط الأسواق

الأثر المباشر لتشديد القبضة الرقابية يتجاوز مجرد خفض الأرقام في جداول الأسعار، ليصل إلى جوهر العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فعندما يشعر المواطن بوجود عين ساهرة تلاحق المتلاعبين بقوته اليومي، يترسخ لديه شعور بالعدالة والمساواة أمام القانون؛ فهذا الارتياح النفسي يُمثل حائط صد منيع ضد الشائعات ومحاولات إثارة البلبلة التي تستغل الأزمات الاقتصادية لتشكيك الشارع في فاعلية الإجراءات الحكومية؛ حيث إن الرقابة الصارمة والناجزة هي في واقع الأمر “رسالة طمأنة” تؤكد أن الدولة تنحاز بشكل كامل لمحدودي الدخل، وأنها لن تسمح بتحويل احتياجات الناس الأساسية إلى وسيلة للتربح غير المشروع.

انعكاس الانضباط على الاستقرار المجتمعي

يمتد تأثير الانضباط الرقابي ليشمل استقرار الحالة المزاجية والعامة للمجتمع المصري؛ فالأسواق المنضبطة تُساهم في خلق حالة من اليقين الاقتصادي لدى الأسر، مما يسمح لها بتخطيط مواردها بوضوح بعيداً عن صدمات الأسعار المفاجئة، إذ إن هذا الاستقرار يقلل من حدة الضغوط النفسية والاجتماعية التي قد تنتج عن فوضى التسعير، ويحول دون تفاقم الأزمات المعيشية التي قد تؤثر على الإنتاجية العامة؛ حيث إن نجاح الأجهزة الرقابية في كبح جماح الاحتكار يُمثل انتصاراً لمنطق الدولة في مواجهة منطق الغابة، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها “رضا المواطن” هو المؤشر الحقيقي لنجاح أي رؤية اقتصادية أو إدارية في المستقبل القريب.

المرحلة الراهنة تفرض على الجميع، مسؤولين ومواطنين، تكاتفاً غير مسبوق لحماية المكتسبات الاقتصادية وتثبيت دعائم الاستقرار الاجتماعي؛ فعملية ضبط الأسواق ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي التزام وطني يبدأ من نزاهة التاجر وينتهي بوعي المستهلك، وبينهما قبضة قانونية لا تلين تضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بأمن المصريين الغذائي؛ فالتحديات جسيمة، لكن الإرادة في إنفاذ القانون وترسيخ العدالة في المعاملات التجارية هي السبيل الوحيد للعبور نحو مستقبل يضمن حياة كريمة لكل مواطن على أرض هذا الوطن، بعيداً عن ضغوط الاحتكار وصراعات الجشع التي لا تنتهي.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=14403

موضوعات ذات صلة

أندريه زكي: مقرنا بالعاصمة الإدارية شاهد على بناء الوطن

حازم رفعت

زيادة مفاجئة فى تحويلات المصريين بالخارج .. خبراء يوضحون..

المحرر

أزمة أرض أكتوبر تعجل باستقالة مجلس إدارة الزمالك

محمود المهدي

أصوات الحياة.. جراحات القوقعة تعيد الأمل المفقود

أيمن مصطفى

أندريه زكي: السوشيال تسرق السلام

حازم رفعت

الإسكندرية.. الكريسماس يغازل النوة

أيمن مصطفى