
تأتي الجمعة الأولى من شهر أبريل من كل عام، لتفتح نافذةً على قلوبٍ غضة لم تختر قدرها، وإنما اصطفاها الوجع لتمضي في دروب الحياة بلا سندٍ أو ظهير، إذ إن «يوم اليتيم» ليس مجرد رقم عابر في الأجندة الاجتماعية، أو احتفالية بروتوكولية تُوزع فيها الهدايا وتُلتقط خلالها الصور؛ بل هو صرخةٌ في ضمير المجتمع، وتذكيرٌ بأن الأبوة والأمومة ليست مجرد «بيولوجيا»، بل هي احتواءٌ ومسؤولية وقدرةٌ على منح الأمان لمن سلبه الزمان دفء الحنان الأصيل. ففي هذا اليوم، نتوقف ملياً لنعيد صياغة مفهوم العطاء؛ لا بوصفه فائضاً من مالٍ أو طعام، بل بكونه ترميماً لروحٍ انكسرت قبل أوانها، وغرساً للأمل في تربةٍ أوشكت على الجفاف بفعل الفقد المرير.
فلسفة اجتماعية
إن فلسفة الاحتفاء باليتيم في تراثنا وثقافتنا تتجاوز حدود العطف السطحي؛ فالمجتمع الذي يرعى أيتامه يبرهن على رقيّه الأخلاقي وتماسكه البنيوي؛ فاليتيم في حقيقته ليس طفلاً فاقداً لوالديه فحسب، بل هو اختبارٌ لمدى نضجنا الجماعي؛ فحين نمسح على رأس يتيم، نحن لا نقدم له فضلاً، بل نؤدي واجباً أخلاقياً وشرعياً وإنسانياً، إذ إن هذه اللمسة تحمل رسالة وجودية مفادها: «لست وحدك في هذا العالم الفسيح». ولعل المأزق الأكبر يكمن في حصر هذا الاهتمام في يومٍ واحد، بينما يحتاج اليتيم إلى «وطن» يحتضنه طوال العام، وإلى منظومة تشريعية تضمن له حياةً كريمة لا تخدش كرامته ولا تشعره بالدونية.
التمكين والتعليم
وفي الواقع المعاصر، نجد أن التحديات التي تواجه الأيتام قد تطورت؛ فلم يعد اليتيم بحاجة فقط للغذاء والكساء، بل بات في أمسّ الحاجة إلى «التمكين» النفسي والتعليمي، حيث إن الاستثمار الحقيقي يبدأ من توفير بيئة تعليمية تخرجه من دائرة «الضحية» إلى دائرة «الفاعل»؛ لذا علينا تحويل دور الأيتام من مجرد ملاجئ للسكن إلى أكاديميات للحياة، تُصقل فيها المواهب وتُبنى الشخصيات القادرة على مواجهة تنمر الحياة وصعوباتها، إذ إن اليتيم الذي يجد يداً تعلمه «كيف يصطاد» بدلاً من منحِهِ سمكةً في يومٍ احتفالي، هو من سيصبح غداً لبنةً صالحة في بناء الدولة وعنصراً منتجاً يفتخر به الجميع.
وصمة اجتماعية
وعلى الجانب الآخر، تبرز «الوصمة الاجتماعية» كواحدة من أشد الآلام التي قد يعاني منها اليتيم؛ فما زالت بعض الثقافات تنظر إليه نظرة شفقة مشوبة بالانتقاص، مما يورث فجوات نفسية هائلة. وهنا يأتي دور المجتمع والجهات الحكومية المعنية لترسيخ وعيٍ جمعي مفاده أن «اليتم» قدرٌ لا عار فيه، وأن العار الحقيقي يكمن في مجتمعٍ يهمل أطفاله ويتركهم نهشاً للضياع؛ فدمج الأيتام يتطلب شجاعةً مجتمعية تبدأ من المدرسة والنادي وصولاً إلى سوق العمل، لضمان تكافؤ الفرص وحماية الكرامة الإنسانية.
دور مؤسسي
ولا يفوتنا الإشارة إلى الدور الحيوي لمؤسسات المجتمع المدني والدولة؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة طفرة في التشريعات والمبادرات التي تهدف لتحسين جودة حياة الأيتام، وتوفير الرعاية البديلة التي تحاكي دفء الأسرة. ويظل الرهان دائماً على «الوعي»؛ بأن كفالة اليتيم لا تقتصر على الإنفاق المادي، بل تمتد للمتابعة التربوية والدعم المعنوي. كما نؤكد على ضرورة تشديد الرقابة على دور الرعاية؛ فالأمانة الملقاة على عواتق القائمين عليها ثقيلة، تتطلب قلوباً رحيمة وعقولاً واعية، فأي تجاوز في حق يتيم هو تجاوز في حق الإنسانية جمعاء، ويجب أن تظل عيون الرقابة مفتوحة لضمان بيئة آمنة تخلو من العنف وتفيض بالاحترام.
الابتسامة التي نرسمها على وجه يتيم هي استثمارٌ في أمننا القومي والاجتماعي؛ فكل طفل نحتضنه اليوم هو مشروع مواطن صالح غداً؛ فدعونا نجعل من «يوم اليتيم» انطلاقةً لعهدٍ من التكافل الحقيقي، عهدٍ لا ينسى فيه أحد أن سيد الخلق وإمام المرسلين نشأ يتيماً، ليعلم البشرية أن اليتم قد يكون بدايةً لأعظم السير؛ لنجعل قلوبنا بيوتاً للأيتام، ولتكن أفعالنا هي الضمادة التي تبرئ جراحهم؛ فاليتيم لا يحتاج يوماً واحداً من الود، بل يحتاج «حياة» كاملة من الأمان.
