اقتصاد وأعمالسليدر

أبو بكر الديب لـ«صوت البلد»: العالم في مهب «إعصار الطاقة»

أبو بكر الديب

 

تُعد أزمة الطاقة العالمية في عام 2026 منعطفاً تاريخياً حاسماً في مسار الاقتصاد السياسي الدولي؛ حيث جاء قرار ضخ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية ليمثل زلزالاً عنيفاً أعاد صياغة موازين القوى بين الدول المنتجة والمستهلكة، حيث إن هذا التدفق الهائل يهدف بالدرجة الأولى إلى كسر حدة الارتفاعات المرعبة في الأسعار التي هددت بانهيار النظام المالي العالمي والدخول في نفق “الركود التضخمي” المظلم الذي يلتهم النمو الاقتصادي حول العالم.

ويحلل الكاتب الصحفي والخبير الاقتصادي أبو بكر الديب هذا المشهد المتفجر قائلاً: “إن ما شهده العالم في صباح الحادي عشر من مارس يمثل انكساراً مفاجئاً وكاملاً لقواعد اللعبة التي حكمت سوق الطاقة العالمي لعقود طويلة؛ فنحن أمام قرار غير مسبوق قلب التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية في آن واحد. ففي لحظة فارقة، اتفقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على تنفيذ أكبر عملية سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في تاريخها بضخ 400 مليون برميل، وهي كمية لم تكن حتى أكثر مراكز التحليل جرأة تتخيلها قبل أيام قليلة فقط.

ويضيف “الديب” موضحاً السياق الخطير لهذا التحرك لـ”صوت البلد”: “لقد جاء القرار في ذروة اضطراب غير مسبوق بعد أن تراجعت حركة الملاحة النفطية في مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، مما ولّد قناعة لدى صنّاع القرار في الغرب بأن السوق يواجه انقطاعاً مادياً حقيقياً يمكن أن يُعيد الاقتصاد العالمي إلى سيناريوهات الأزمات الكبرى التي عرفها في سبعينيات القرن الماضي. ولذلك، فإن قرار الضخ لم يكن مجرد خطوة تكتيكية لتهدئة الأسعار، بل كان أشبه باستخدام “سلاح اقتصادي استراتيجي” يهدف لفرض واقع جديد على الحسابات السياسية للدول المنتجة في الشرق الأوسط وروسيا.

صراع الرؤى

وفي خلفية هذا المشهد، يكشف الخبير الاقتصادي عن مواجهة غير معلنة بين رؤيتين: الأولى تمثلها المقاربة الأمريكية التي يقودها المبعوث ستيف ويتكوف، والقائمة على تحصين الاقتصاد الغربي عبر إغراق السوق بمخزونات الطوارئ لسحب الورقة النفطية من يد الخصوم. والثانية تمثلها المقاربة الدبلوماسية لسلطنة عمان عبر وزير خارجيتها بدر البوسعيدي، والتي ترى أن الحل الحقيقي يكمن في استقرار ممرات الملاحة عبر تسوية سياسية تمنع الانزلاق لمواجهة إقليمية واسعة.

ويستطرد “الديب” في تحليله لـ”صوت البلد”: “بين هاتين الرؤيتين، وجد العالم نفسه أمام تجربة تاريخية تختبر حدود قدرة النظام الاقتصادي على الصمود؛ إذ إن حجم الضخ يعادل ثلث الاحتياطي الاستراتيجي المتاح لدى الدول الصناعية، مما يعني أن الغرب استخدم سلاحه الاقتصادي الأكبر دفعة واحدة لاحتواء الكارثة. وقد انعكس تأثير القرار فور صدوره، حيث تراجع سعر خام برنت من 120 دولاراً إلى حدود 87 دولاراً خلال ساعات قليلة، وهو انخفاض يعكس قوة الصدمة النفسية التي أرادت الدول الصناعية توجيهها للمضاربين.

حرب استنزاف

ويرى “الديب” أن هذا الانخفاض لم يبدد المخاوف بالكامل؛ فالأمر تحول إلى “حرب استنزاف” طويلة بين مخزونات الطوارئ وقدرة المنتجين على التحكم في الإمدادات. ويضيف: “تحالف أوبك بلس يراقب التطورات بحذر شديد، والصمت الرسمي الذي التزمت به العواصم النفطية يعكس مرحلة تقييم دقيقة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن التحالف قد يلجأ لخفض طوعي مفاجئ في الإنتاج إذا استمر هبوط الأسعار دون مستويات مقبولة لميزانياتها، مما يقود لمواجهة مباشرة بين استراتيجية “إغراق السوق” الغربية واستراتيجية “كبح الإمدادات” للمنتجين.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن قرار الضخ لا ينفصل عن الحسابات الاستخباراتية؛ مشيراً إلى أن واشنطن ترى أن امتلاك هامش واسع من الإمدادات يمنحها حرية أكبر في التعامل مع التحديات العسكرية في المنطقة دون الخضوع لضغوط الأسعار. غير أن هذه الاستراتيجية تثير مخاوف سلطنة عمان من تراجع الحافز السياسي للبحث عن تسوية سريعة في مضيق هرمز، مما قد يطيل أمد التوتر العسكري ويزيد احتمالات استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج.

ويختتم الخبير الاقتصادي أبو بكر الديب رؤيته التحليلية بالتحذير من أن المخزونات الاستراتيجية يمكن أن تعوض نقص الإمدادات، لكنها لا تستطيع حماية منشآت الإنتاج إذا توسعت رقعة الصراع. لافتاً إلى أن الأشهر المقبلة حاسمة؛ مشيراً إلى أن كل يوم يمر دون فتح طرق الملاحة يقربنا من لحظة استنزاف المخزونات. موضحاً أنه في المقابل، يدرك المنتجون أن الزمن قد يعمل لصالحهم إذا حافظوا على تماسك تحالفاتهم، في مشهد يعيد التذكير بأن النفط لم يكن يوماً مجرد سلعة اقتصادية، بل كان دائماً أحد أهم عناصر القوة في النظام الدولي المعاصر.

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15335

موضوعات ذات صلة

نبض الشارع يصنع المشهد الانتخابي في الرمل بالإسكندرية

أيمن مصطفى

شرق الإسكندرية يواجه تحديات مرورية

أيمن مصطفى

الخليج في حالة ترقب بعد عمليات إجلاء جوي مكثفة

ضاحى محمود

غادة العبسي: الحب أخرجني من سجن الحرب

المحرر

تفاصيل تعيين 40 ألف معلم بالأزهر الشريف

المحرر

يورتشيتش يحدد أولويات الميركاتو الشتوي

محمد عطا