البلد خانةسليدر

أطفال الشوارع بين «حبر» المكاتب و«برد» الأرصفة

 

بينما تنشغل المكاتب المكيّفة بإصدار البيانات المنمقة، وتدوير الأوراق الرسمية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، تستفحل في شوارع الإسكندرية ظاهرةٌ باتت تنهش وجه المدينة الحضاري؛ أطفالٌ يفترشون الأرصفة، وقاصرون يُدفع بهم لاستجداء المارة، ومستقبلٌ يُغتال تحت سمع وبصر المجلس القومي للطفولة والأمومة.

إن ما نشهده اليوم من استباحة لكرامة الطفولة في العصافرة وشارع ٤٥، وتحول منطقة ميامي وشارع خالد بن الوليد إلى ساحات مفتوحة للاستغلال المقنن، ليس مجرد “مشاهد عابرة”، بل هو صرخة إدانة صريحة لغياب الدور الرقابي والميداني للمجلس. أين هي لجان حماية الطفولة مما يحدث في شارعي إسكندر إبراهيم والعيسوي؟ وكيف تغمض العيون عن “مافيا” تسيطر على ميدان المندرة ومنطقتي الساعة والعوايد؟

قانون الطفل

الاستمرار في تجاهل هذه الظاهرة يعد ضرباً بعرض الحائط بمواد قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008، والذي ألزم الدولة بحماية الطفل من كافة أشكال الاستغلال التجاري والاقتصادي. فما نراه في شوارعنا هو “جريمة مكتملة الأركان” في حق القانون، حيث تحولت مواد الحماية إلى نصوص معطلة تنتظر إرادة تنفيذية تخرجها من “ثلاجة” البيروقراطية لتطبق على أرض الواقع وتحاسب من يستغلون براءة هؤلاء الصغار.

أوجاع الرصيف

وبعيداً عن النصوص الجافة، هل تخيل المسؤولون حجم الألم في عيون طفل ينام فوق “كرتونة” في مواجهة أمواج البحر بمنطقة الشاطبي؟ إن هؤلاء الصغار الذين اعتادوا القهر والحرمان فقدوا أبسط حقوقهم، واستبدلوا مقاعد الدراسة بأرصفة قاسية يلاحقون بها المارة، إذ إن كل ليلة يقضيها طفل في العراء هي “وصمة عار” تضاف إلى سجل المتقاعسين، فالبرد لا يرحم الأجساد النحيلة، والصمت الإداري أشد قسوة من رياح “النوّة” السكندرية.

قنابل موقوتة

وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن ترك هؤلاء الصغار لقمة سائغة في يد “مقاول الأنفار”، هو قنبلة موقوتة تهدد السلم المجتمعي؛ فهؤلاء الأطفال ينمون خارج سياق المدرسة والأسرة، ويتحولون مع الوقت إلى نواة لجرائم أكبر، حيث يفتقدون الشعور بالانتماء للمجتمع الذي نبذهم وتركهم فريسة للمتحرشين والمجرمين، مما يخلق جيلاً يحمل حقداً دفيناً ضد كل ما هو نظامي.

إن المسؤولية المباشرة تقع على عاتق المجلس القومي للطفولة والأمومة بالتنسيق مع مديرية التضامن الاجتماعي؛ فهما الجهتان المنوط بهما تفعيل دور “دور الرعاية” وإعادة دمج هؤلاء الأطفال، بدلاً من ترك تلك المؤسسات مجرد مقار إدارية بلا فاعلية، حيث إن غياب المتابعة الميدانية الصارمة جعل من الشوارع بيئة خصبة لضياع الطفولة، وسط صمت مريب من جهات أُسست لتكون الدرع الحامي لهؤلاء الصغار.

الطفولة ليست “ملفاً” يُغلق بنهاية الدوام، بل هي أمانة في أعناقكم. فكفى شعارات براقة، وانزلوا إلى الشوارع لتروا حجم المأساة، فالتاريخ لا يرحم، وأوجاع هؤلاء الصغار ستظل تلاحق كل من تقاعس عن أداء واجبه خلف مكتبه الوثير.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15464

موضوعات ذات صلة

ذكرى ميلاد حمدي غيث… عملاق الأداء

مي صلاح

“القصص”.. دراما عابرة للثقافات تتألق في العرض العربي

حسن عبدالعال

عميدة طب بنات الأزهر: رسالة الطب وقيم الوسطية

محمود على

31 مليون جنيه تكلفة إنشاء سوق حضري بمركز أبنوب بأسيوط

أحمد الفاروقى

الأزهر.. قلعة الوسطية

أيمن مصطفى

نبض الشارع يصنع المشهد الانتخابي في الرمل بالإسكندرية

أيمن مصطفى