
تعد ظاهرة “أغاني المهرجانات” واحدة من أكثر القضايا الفنية والاجتماعية إثارة للجدل في مصر والعالم العربي خلال العقد الأخير. فبينما يراها البعض تعبيراً أصيلاً عن نبض الشارع وطبقات المجتمع المهمشة التي لم تجد صوتاً لها في وسائل الإعلام التقليدية، يرى فيها نقاد ومثقفون آخرون مؤشراً خطيراً على تدهور الذوق العام وانتشار “الفن الهابط”.
لقد حققت هذه الأغاني انتشاراً واسعاً ومشاهدات بالملايين عبر المنصات الرقمية، متجاوزة في كثير من الأحيان أعمالاً فنية أكثر التزاماً بالمعايير الفنية التقليدية، حيث يعود جزء من هذا النجاح إلى بساطة الكلمات، والإيقاع السريع، واستخدام أدوات التكنولوجيا الحديثة مثل الـ “أوتو تيون” (Auto-tune) التي تسهل عملية الإنتاج.
يشتكي العديد من النقاد من أن كلمات أغاني المهرجانات غالباً ما تكون مبتذلة، وتحتوي على إيحاءات غير لائقة أو ألفاظ خارجة تخدش الحياء العام، مما يؤثر سلباً على قيم المجتمع وأخلاقياته، لا سيما بين فئة الشباب والمراهقين، إذ يجادل البعض بأن هذا النوع من الأغاني يفتقر إلى القيمة الفنية الحقيقية، سواء في اللحن أو الكلمات أو الأداء الصوتي، ولا يخضع للضوابط والمعايير التي تحكم صناعة الموسيقى التقليدية. كما يشير خبراء علم النفس والاجتماع إلى أن التعرض المستمر للموسيقى الصاخبة والعالية المصاحبة لهذه الأغاني قد يؤدي إلى مشكلات صحية، مثل ضعف السمع والإجهاد واضطراب النوم. كما قد تساهم أيضًا المواضيع التي تتناولها في ترسيخ بعض السلوكيات السلبية في أوساط معينة.
في المقابل، يرى المدافعون عن المهرجانات أنها فن نشأ من بيئته الشعبية ويعكس واقعها بكل صدق، وأن محاولات منعها أو قمعها لن تجدي نفعاً، بل قد تزيد من انتشارها، فبعض المحللين دعوا إلى ضرورة تحليل الظاهرة اجتماعياً لفهم الأسباب الحقيقية لانتشارها الواسع بين فئات معينة، بدلاً من إصدار أحكام قيمية متسرعة.
إن الجدل الدائر حول أغاني المهرجانات ليس مجرد خلاف فني بسيط، بل هو مرآة صادمة تعكس تحولات عميقة في الذوق العام المصري وصراعاً بين “المركز” و”الهامش”. قد لا يكون المنع هو الحل الأمثل لهذه الأزمة، بل ربما تكمن الإجابة في مراجعة شاملة للمحتوى وضبط الكلمات، مع ترك الحكم النهائي للمستمع الذي يبقى هو “بوليس الآداب الحقيقي” على ذوقه واختياراته الفنية.
جدل الرقابة
وبعيداً عن النقد الفني، تمثل المهرجانات نموذجاً لصناعة موسيقية “خفيفة” ومنخفضة التكلفة، مما يتيح للعديد من الشباب دخول المجال وتحقيق أرباح سريعة وشهرة واسعة دون الحاجة إلى دعم مؤسسات إنتاج ضخمة. هذا النجاح الاقتصادي السريع دفع نقابة المهن الموسيقية في مصر للتدخل مراراً، حيث أصدرت قرارات بمنع بعض مؤدي المهرجانات من الغناء أو سحب تصاريحهم بحجة “حماية الذوق العام”. هذه القرارات تفتح نقاشاً واسعاً حول دور المؤسسات الرسمية في الرقابة وحدود حرية التعبير الفني مقابل الحفاظ على القواعد المجتمعية.
مستقبل مجهول
إن الجدل الدائر حول أغاني المهرجانات ليس مجرد خلاف فني بسيط، بل هو مرآة صادمة تعكس تحولات عميقة في الذوق العام المصري وصراعاً بين “المركز” و”الهامش”، فهل ستظل هذه الظاهرة مجرد “موضة عابرة” أم ستتطور وتجد طريقها للقبول الرسمي؟
قد لا يكون المنع هو الحل الأمثل لهذه الأزمة، بل ربما تكمن الإجابة في مراجعة شاملة للمحتوى وضبط الكلمات، فبعض المؤدين بدأوا بالفعل في تنقية كلماتهم والتعاون مع ملحنين وشعراء معروفين، مما يشير إلى إمكانية تطور المشهد، ليبقى الحكم النهائي للمستمع الذي يمتلك القوة الأكبر في تحديد مصير هذا اللون الفني وقدرته على الاستمرار أو الاندثار.
النقطة النقدية المثيرة للاهتمام حالياً هي: هل أغاني المهرجانات في طريقها إلى الزوال أم أنها مجرد أزمة عابرة؟ حيث تشير بعض التحليلات الحديثة إلى أن بعض أبرز مؤدي المهرجانات، مثل عمر كمال وحودة بندق، بدأوا يتجهون إلى ألوان غنائية أخرى مثل موسيقى البوب الأكثر تقليدية، فهذا التحول يفتح نقاشاً جديداً وشيقاً بين النقاد حول ما إذا كانت فترة الذروة للمهرجانات قد انتهت، أم أن هذا مجرد تنويع أو محاولة للهروب من قيود الرقابة المتزايدة.
