
لم تعد أسطح البنايات في أحياء الإسكندرية مجرد مساحات للخدمات أو “مناشر” للغسيل، بل تحولت إلى “غرف عمليات” حقيقية لشبكات بث غير قانونية تدير ملايين الجنيهات بعيداً عن أعين الدولة؛ فرغم الحملات الأمنية المكثفة التي تشنها مباحث المصنفات الفنية، لا تزال “وصلة الدش” هي اللاعب المهيمن في المناطق الشعبية والراقية على حد سواء، وسط تشابك معقد للأسلاك يهدد سلامة المواطنين وينتهك حقوق الملكية الفكرية.
ملايين خارج الرقابة
خلف الأبواب المغلقة فوق أسطح العقارات في مناطق مثل “سيدي بشر”، “العصافرة”، و”كرموز”، تختبئ أجهزة استقبال (Receivers) متطورة، وموزعات إشارة (Splitters)، وأجهزة تشفير. هذه المعدات ليست للاستخدام الشخصي، بل هي قلب “سنترال دش” مصغر يغذي مئات الشقق السكنية مقابل اشتراك شهري زهيد يتراوح بين 50 إلى 100 جنيه، في حين تصل أرباح “صاحب الوصلة” الواحد إلى مئات الآلاف شهرياً، وتدير الشبكات الكبرى ملايين الجنيهات سنوياً دون دفع ضرائب أو رسوم ترخيص.
“مقصلة” تهدد الأرواح
لا تقتصر الأزمة على الجانب المادي؛ فالمشهد فوق الأسطح وفي المناور يعكس فوضى عارمة، حيث تتواجد آلاف الكيلومترات من الكابلات العشوائية التي تتشابك مع أسلاك الكهرباء والهاتف، مما يخلق مخاطر حقيقية لنشوب حرائق ماس كهربائي، خاصة في ظل العوامل الجوية الساحلية للإسكندرية، إذ يؤكد خبراء أن هذه “الغابة من الأسلاك” تعيق وصول فرق الإنقاذ في حالات الطوارئ وتزيد من احتمالات سقوط الأطباق الضخمة أثناء العواصف الشتوية.
ضربات مستمرة لـ”القراصنة”
في عام 2025، كثفت وزارة الداخلية من ضرباتها الاستباقية ضد هذه الشبكات. وأسفرت الحملات الأخيرة في أحياء “وسط”، “المنتزه أول”، “المنتزه ثان”، و”شرق” الإسكندرية عن غلق عشرات المنشآت وضبط آلاف الأجهزة المستخدمة في فك شفرات القنوات الفضائية المشفرة وإعادة بثها؛ حيث تستهدف هذه الحملات ليس فقط “تجار الوصلات”، بل أيضاً شبكات “IPTV” التي تستخدم الإنترنت لبث المحتوى المقرصن، وهي الجريمة التي باتت تدر أرباحاً خيالية تتجاوز الحدود المحلية.
عقوبات رادعة
يشدد القانون المصري في عام الخناق على هذه الممارسات، حيث يواجه مديرو هذه الشبكات عقوبات قاسية تشمل السجن مدة قد تصل إلى 5 سنوات لاستيراد أو استخدام أجهزة بث دون ترخيص، إلى جانب الغرامات المالية التي تصل في بعض الحالات إلى 500 ألف جنيه لتقديم خدمات الاتصالات أو البث دون الحصول على تصاريح من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أو المجلس الأعلى للإعلام، مع مصادرة كافة المعدات والأجهزة وإغلاق المقرات المخالفة نهائياً.
لماذا تستمر “الوصلة”؟
رغم الملاحقات؛ يرى مراقبون أن الفجوة السعرية بين الاشتراكات الرسمية للقنوات المشفرة ودخل المواطن البسيط تجعل من “الوصلة” شراً لا بد منه للكثيرين.. لكن مع تطور الوعي بمخاطر “الأمن السيبراني” وإمكانية اختراق الأجهزة المنزلية عبر هذه التوصيلات غير المؤمنة، بدأ البعض يتجه نحو الحلول القانونية والمنصات الرقمية المعتمدة؛ لذا ستظل أسطح الإسكندرية جبهة مفتوحة بين الدولة وأباطرة “البث الأسود”، في معركة تتقاطع فيها لغة القانون بضجيج الأسلاك وملايين الجنيهات المهربة.
لم تعد المخاطر محصورة في التشابك المادي للأسلاك أو انتهاك حقوق البث؛ فمعظم هذه الشبكات غير القانونية تستخدم أجهزة “IPTV Box” رخيصة الثمن، والتي تكون في كثير من الأحيان غير مؤمنة إلكترونياً، حيث يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن هذه الأجهزة قد تُستغل كنقاط ضعف لاختراق الشبكات المنزلية (Wi-Fi)، مما يعرض بيانات المواطنين الشخصية، وخصوصيتهم، وحتى معلوماتهم المصرفية للسرقة من قبل القراصنة الذين يديرون هذه المنظومات الإجرامية.
نزيف للمال العام
الخاسر الأكبر من استمرار هذه الظاهرة هو الاقتصاد الوطني والشركات الإعلامية التي تدفع ملايين الجنيهات للحصول على حقوق البث الحصرية؛ إذ تشير التقديرات الاقتصادية لعام 2025 إلى أن حجم الخسائر التي تتكبدها شركات الاتصالات والمنصات الترفيهية الشرعية يتجاوز مئات الملايين من الجنيهات سنوياً. هذا النزيف المالي لا يؤثر فقط على أرباح الشركات، بل يحرم الدولة من عائدات ضريبية كبيرة كان من الممكن استغلالها في تحسين الخدمات العامة.
وفي ظل تعقيد المشكلة، بدأت الجهات المعنية في 2025 بالتحول من الحلول الأمنية القمعية فقط إلى حلول وقائية وتوعوية، إذ يتم التركيز حالياً على إطلاق حملات توعية مكثفة حول المخاطر الأمنية والقانونية والصحية لاستخدام هذه “الوصلات” المقرصنة، وبالتوازي، تعمل الشركات الشرعية على تقديم باقات اشتراك مرنة بأسعار تنافسية ومناسبة لمختلف فئات الدخل، بهدف سحب البساط من تحت أقدام “قراصنة الأسطح” وتقديم بديل قانوني وآمن للمواطنين.
