مقال رئيس التحرير

إسرائيل بين منطق الحرب وحدود المكاسب

د. خالد محمد غازي

لا يمكن فهم الحرب الإسرائيلية على إيران وحزب الله إذا حُصرت في إطارها العسكري المباشر، أو إذا قُدِّمت على أنها مجرد رد فعل أمني على أخطار محددة. فالمواجهة، في جوهرها، أوسع من ذلك بكثير. إنها مساعٍ لإعادة تشكيل المجال الاستراتيجي المحيط بإسرائيل، ليس فقط لاحتواء تهديد آني، بل لفرض تصور جديد للقوة، ولحدودها، وللقواعد التي تحكم استخدامها، لذلك، فإن السؤال الأهم ليس هل تستطيع إسرائيل توجيه ضربات قاسية؟ لأنها أثبتت ذلك بالفعل، بل هل تكفي هذه الضربات لتحقيق الهدف السياسي الأكبر: إبعاد إيران وحزب الله عن معادلة الضغط المباشر عليها، وتثبيت وضع إقليمي تكون فيه اليد العليا لإسرائيل، ليس عسكريًا فقط، بل أيضًا في تحديد ما يُعد خطرًا، وكيف يكون الرد عليه، وما حدود التسوية الممكنة.

**

إن ما تريده إسرائيل من هذه الحرب لا يقتصر على إضعاف خصم بعينه، بل يتصل بإعادة صياغة المشهد كله. فهي تريد أولا أن تُفقد إيران جزءا أساسيا من قدرتها على التهديد، سواء عبر مشروعها النووي، أو عبر ترسانتها الصاروخية، أو عبر شبكات النفوذ التي نسجتها في المنطقة طوال عقود. وتريد ثانيا أن تدفع حزب الله إلى وضع يفقده القدرة على تحويل الجبهة الشمالية إلى مصدر استنزاف دائم. وتريد ثالثا، وهو الأهم في التقدير، أن ترسخ قاعدة تقول إن إسرائيل لم تعد تنتظر اكتمال الخطر حتى تتحرك، بل باتت ترى من حقها أن تضرب متى رأت أن توازن الردع لم يعد يعمل لمصلحتها. بهذا المعنى، لا تخوض إسرائيل حربا على ما هو قائم فقط، بل على ما يمكن أن يتشكل مستقبلا إذا تُركت إيران وحلفاؤها يوسعون أدواتهم وقدراتهم من دون كبح.

غير أن هذا يقود مباشرة إلى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل تمثل إيران بالفعل تهديدا لإسرائيل؟ الجواب، في صورته الدقيقة، ليس بالنفي ولا بالإثبات المطلق، بل بالتفكيك. نعم، إيران تشكل تهديدا حقيقيا لإسرائيل إذا نُظر إلى الأمر من زاوية تراكم القدرات لا من زاوية النوايا المجردة. فالدولة التي تقترب من عتبة نووية حساسة، وتملك برنامجا صاروخيا متطورا، وتتمتع بحضور ممتد عبر حلفاء مسلحين في أكثر من ساحة، لا يمكن التعامل معها، في الحسابات الإسرائيلية، على أنها خصم عادي أو بعيد. لكن هذا لا يعني أن كل ما يُقال عن “الخطر الإيراني” يفسر وحده شكل الحرب الراهنة أو اتساعها. فجزء من الخطاب الإسرائيلي يضخم التهديد لكي يبرر نوعا معينا من الحرب، لا لكي يصف الواقع وحسب. ذلك أن إسرائيل لا تتحرك فقط بدافع الخوف من إيران كما هي، بل أيضا بدافع الخوف من إيران كما يمكن أن تصبح إذا نجحت في الجمع بين الردع النووي، والقدرة الصاروخية، والنفوذ الإقليمي المستمر.

وفي هذا الإطار بالذات، يكتسب حزب الله موقعه الخاص في الحساب الإسرائيلي. فهو ليس مجرد امتداد سياسي لإيران في لبنان، بل هو الأداة الأشد التصاقا بالأمن الإسرائيلي المباشر. وإذا كانت إيران تمثل تهديدا استراتيجيا بعيد المدى، فإن حزب الله يمثل تهديدا عملياتيا يوميا أكثر تماسّا مع الجغرافيا والحدود والداخل الإسرائيلي نفسه. ولذلك تنظر إليه إسرائيل بوصفه الخطر الذي يملك القدرة على تحويل أي صراع أوسع إلى استنزاف مفتوح. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين كونه تهديدًا حقيقيًا وكونه تهديدًا وجوديًا. فالحزب يستطيع إيقاع الأذى، وتعطيل بعض المسارات، وفرض كلفة كبيرة، وربما إرباك الجبهة الداخلية الإسرائيلية بشكل واسع، لكنه لا يملك وحده القدرة على إسقاط إسرائيل أو إنهاء تفوقها العسكري. إنه خطر يضعف لكنه لا يحسم، ويستنزف لكنه لا يسقط. لذلك تبدو الحرب عليه، في التصور الإسرائيلي، جزءًا من مسعى لتحييد مصدر خطر مزعج وكبير، لا مجرد رد على هجمات مؤقتة.

**

وإذا جُمعت صورة إيران بصورة حزب الله، اتضح أن إسرائيل لا تقاتل خصمين منفصلين، بل تقاتل بنية تهديد متصلة: مركز استراتيجي في طهران، وذراع أكثر التصاقا بالمواجهة في جنوب لبنان. وهي ترى أن ترك هذه البنية على حالها يعني القبول ببيئة أمنية قابلة للانفجار في أي لحظة، وتحت شروط لا تحددها هي. ومن هنا يمكن فهم المكاسب التي تطمح إليها. فإسرائيل لا تريد فقط تدمير منشآت أو قتل قادة أو إضعاف بنى عسكرية، بل تريد حصادا سياسيا يترجم إلى وقائع أبعد عمرا من الحرب نفسها. تريد إبعاد إيران عن مستوى يجعلها دولة على عتبة ردع نوعي لا يمكن احتواؤه بسهولة. وتريد تقليص قدرة حزب الله إلى الحد الذي يفقده وظيفة التهديد المستمر. وتريد، فوق ذلك كله، أن تخرج من هذه الجولة بصورة الدولة التي استعادت زمام المبادرة بعد سنوات من القلق المتراكم من الصواريخ والأنفاق والمسيّرات وتعدد الجبهات.

لكن السؤال الأهم هو: هل تستطيع إسرائيل فعلا أن تحصد هذه المكاسب كما تتصورها؟ هنا تبدأ حدود القوة في الظهور. فالحروب قد تنجح في إضعاف الخصم، لكنها لا تنجح دائما في إنتاج الترتيب السياسي الذي تحلم به. قد تستطيع إسرائيل أن تؤخر المشروع الإيراني، وأن تضرب شبكاته، وأن تنزل بحزب الله خسائر كبيرة، لكن ثمة فارقا كبيرا بين الإيذاء وبين الحسم. إيران ليست تنظيما معزولا يمكن تفكيكه بضربة مركزة، بل دولة كبيرة، ذات مؤسسات، وموارد، وخبرة طويلة في الصمود تحت الضغط. وحزب الله، على الرغم من كل ما قد يخسره، ليس مجرد ترسانة سلاح، بل هو أيضا بنية تنظيمية وسياسية واجتماعية تعرف كيف تتكيف مع الضربات. ولهذا فإن النجاح العسكري، مهما اتسع، لا يضمن وحده أن تتحقق الغاية النهائية التي تريدها إسرائيل، أي إخراج هذين الخصمين من المعادلة بطريقة مستقرة وطويلة الأمد.

وعند هذه النقطة، يدخل الخليج العربي في قلب الصورة، لا على هامشها. فالدول الخليجية، حتى حين لا تكون طرفا مباشرا في المواجهة، تجد نفسها في مرمى نتائجها. والسبب ليس فقط قرب الجغرافيا أو حساسية الممرات البحرية، بل أيضا طبيعة البنية الإقليمية نفسها: النفط، والموانئ، والأسواق، وشبكات الطيران، والقواعد، والاقتصاد العالمي المتصل بهذه المنطقة اتصالا حيويا. حين تتصاعد الحرب بين إسرائيل وإيران، لا تدفع تل أبيب وطهران وحدهما الثمن، بل يتحول الخليج إلى ساحة فاتورة مفتوحة، أمنيا واقتصاديا وماليا. إنه يتحمل كلفة اضطراب لم يقرره، ويُستدرج إلى مناخ توتر لا يملك دائما أدوات التحكم به. ومن هذه الزاوية، يبدو التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران وحزب الله تحالفا تدفع بعض كلفه أطراف أخرى ليست صاحبة القرار الأول فيه. وهذا ما يجعل الخليج، في كثير من الأحيان، متضررا من الحرب حتى وهو يحاول تجنب الاصطفاف الكامل داخلها.

**

ولا يقتصر الأمر على الكلفة المباشرة. فكل اتساع للمواجهة يفتح أسئلة محرجة أمام العواصم الخليجية: كيف يمكن التوفيق بين الحاجة إلى المظلة الأمريكية، والخشية من أن تتحول تلك المظلة نفسها إلى مصدر لاستجلاب الخطر؟ كيف يمكن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في ظل صراع يهدد الملاحة والطاقة والاستثمار؟ وكيف يمكن لدول بنت خلال السنوات الأخيرة مشاريع تنموية كبرى أن تتعايش مع إقليم يعود، مرة أخرى، إلى منطق الجبهات المفتوحة؟ بهذا المعنى، لا يدفع الخليج فاتورة مادية فحسب، بل يدفع أيضا ثمن اهتزاز البيئة التي كان يريد تحويلها من ساحة صراع إلى ساحة تنمية.

أما المستقبل، فلا يبدو متجها إلى صورة بسيطة من الربح أو الخسارة. الأغلب أننا أمام مشهد أكثر التباسا: إسرائيل قد تحقق مكاسب عسكرية مهمة، وربما تفرض ردعا أشد في المدى القصير، لكنها قد لا تبلغ الهدف الأقصى الذي يلوح في أفق خطابها، وهو إعادة تشكيل البيئة المحيطة بها بصورة مستقرة ونهائية. فالحروب من هذا النوع لا تنتهي عادة عندما يضعف الخصم فقط، بل عندما يصبح ضعفه قابلا للتحويل إلى نظام سياسي جديد. وهذا هو الجزء الأصعب. إذ لا توجد حتى الآن علامة حاسمة على أن ضرب إيران سيقود تلقائيا إلى تغيير بنيتها السياسية، ولا أن الضغط على حزب الله سيقود بالضرورة إلى اختفائه من المعادلة اللبنانية. بل قد يحدث العكس: خصوم أضعف عسكريا، لكن أكثر تشبثا بخياراتهم، وإقليم أكثر اضطرابا، وخليج أكثر قلقا، وإسرائيل أقوى من حيث القدرة على الضرب، لكن أقل اطمئنانا من حيث القدرة على إغلاق الصراع.

**

لهذا، فإن السؤال: هل يتحقق ما تريده إسرائيل؟ لا يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا على نحو قاطع. نعم، قد تنجح في انتزاع مكاسب مهمة، وقد تفرض وقائع جديدة، وقد تؤخر أخطارا تراها داهمة. لكنها قد تفشل في تحويل هذه المكاسب إلى تسوية مستقرة، لأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لإعادة تشكيل الإقليم وفق الرغبة الإسرائيلية. فالمعضلة ليست في القدرة على فتح الحرب، بل في القدرة على صياغة ما بعدها. وإذا كانت إسرائيل تريد من هذه المواجهة أن تنتج شرق أوسط أقل تهديدا لها، فإنها قد تجد نفسها، بعد كل هذا العنف، أمام شرق أوسط أكثر انكشافا على التوتر، وأقل استعدادا للثبات. وفي تلك المفارقة بالذات يكمن الحد الفاصل بين نجاح عسكري ممكن، ونجاح سياسي ما يزال بعيد المنال.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15548

موضوعات ذات صلة

الصحفي الإلكتروني بين المهام المتشابكة

المحرر

إيران وما بعد الحرب : حدود القوة وحدود السياسة

المحرر

الشائعات .. عواصف الكترونية في وجدان المصريين

المحرر