
بينما تقترب عقارب الساعة من وداع عام 2025، ترتدي “عروس البحر المتوسط” حُلتها الشتوية الأكثر سحراً؛ حيث يمتزج صقيع “نوات” ديسمبر برائحة الملح المنبعث من الأمواج الهائجة، لتشكل لوحة فنية استثنائية تجذب الآلاف من الباحثين عن أجواء الكريسماس الكلاسيكية التي لا تشبه أي مدينة أخرى.
استنفار رسمي لمواجهة تقلبات الطقس
وفي ظل هذه الأجواء الاحتفالية، لم تغب عين الدولة عن تأمين سلامة المواطنين؛ حيث وجه الفريق أحمد خالد حسن سعيد، محافظ الإسكندرية، برفع درجة الاستعدادات القصوى في جميع الأجهزة التنفيذية والجهات المعنية للتعامل مع حالة عدم الاستقرار في الأحوال الجوية بالتزامن مع تعرض المحافظة لهطول أمطار متوسطة تكون غزيرة أحياناً.
وشدد المحافظ على رؤساء الأحياء بضرورة التواجد الميداني المكثف على مدار الساعة لمتابعة أعمال تصريف مياه الأمطار وضمان السيولة المرورية، مؤكداً على التنسيق اللحظي مع شركة الصرف الصحي وغرفة عمليات المحافظة.

ولضمان احتفالات آمنة، أعلن المحافظ أن غرفة العمليات الرئيسية ومركز السيطرة في حالة انعقاد دائم لاستقبال شكاوى المواطنين، موجهاً بسرعة الاستجابة لرفع المعاناة عنهم. وقد خصصت المحافظة الأرقام التالية للطوارئ على مدار 24 ساعة:
الخط الساخن للمحافظة: 114 من التليفون الأرضي _ غرفة العمليات: (4234131 – 4234137) من أي محمول _ الصرف الصحي: 175 _ مياه الشرب: 125.
تلاحم البهجة مع الأمطار
رغم هذه الاستعدادات الطارئة، تزينت شوارع “محطة الرمل” و”المنشية” بأشجار الكريسماس العملاقة، وشهدت الكنائس والفنادق إقبالاً كبيراً من الزوار الذين جاؤوا خصيصاً لمشاهدة “غرة النوة” وهي تعانق أضواء العيد، في مشهد يثبت أن الإسكندرية مدينة تعرف كيف تحول قسوة الشتاء إلى قصة حب لا تنتهي.
المقهى السكندري.. ملاذ الدفء والحكايا
تحولت مقاهي الإسكندرية التاريخية في شرق ووسط المدينة إلى بيوت دافئة تجمع السكندريين من مختلف الأعمار خلف الواجهات الزجاجية التي تكسوها قطرات المطر، حيث يتبادل الأصدقاء والأقارب التهاني على وقع أنغام الترانيم والموسيقى العالمية، فالمواطن السكندري يمتلك طقساً خاصاً يربط فيه بين احتساء “السحلب” الساخن ومراقبة صراع الغيوم فوق البحر، في حالة من التآلف الاجتماعي التي تذيب برودة الجو وتخلق دفئاً إنسانياً فريداً.
روح “الكوزموبوليتانية” في شوارع العيد
لا تزال الإسكندرية في كريسماس 2025 تحافظ على طابعها العالمي؛ حيث تشهد الأحياء العريقة تلاحماً اجتماعياً يعكس تاريخها التعددي، حيث يشارك المسلمون جيرانهم الأقباط والجاليات الأجنبية المتبقية في المدينة تزيين مداخل العمارات السكنية، وتنتشر رائحة المخبوزات السكندرية والحلويات التقليدية في الشوارع؛ فهذا التلاحم يظهر جلياً في الأسواق الشعبية حيث يتسابق الجميع لشراء الهدايا و”طرطور” بابا نويل، مما يحول المدينة إلى خلية نحل اجتماعية لا تعترف بهطول الأمطار بقدر ما تعترف ببهجة اللقاء.
وعلى امتداد الكورنيش، تبرز ظاهرة اجتماعية تميز شعب الإسكندرية؛ وهي “نزهة المطر”؛ فبدلاً من الهروب إلى المنازل، تخرج العائلات والشباب للاستمتاع برذاذ البحر المتطاير، وتوثيق لحظات الكريسماس بصور تذكارية مع أمواج النوة العاتية. إنها لحظات من “البهجة الصامدة” التي تعكس سيكولوجية الإنسان السكندري الذي يرى في اضطراب البحر فرصة للاحتفال، وفي برودة الشتاء مناسبة للتقارب ومشاركة الفرحة في الهواء الطلق.
تظل الإسكندرية في كريسماس 2025 وفية لثقافتها؛ مدينة تعرف كيف تستثمر “النوة” لتصنع منها بهجة، وكيف تزاوج بين اليقظة الإدارية والاحتفالات الشعبية، لتظل دائماً الوجهة المفضلة لعشاق الشتاء الحقيقي.
