
تواجه عروس البحر الأبيض المتوسط في نهايات عام 2025 أزمة بيئية متفاقمة تعيد إلى الأذهان مشاهد تكدس النفايات التي ظن السكندريون أنها ولت؛ فبينما تتغنى شركة “نهضة مصر للخدمات البيئية” بجهودها عبر منصاتها الإعلامية، تضج أحياء الثغر، من المنتزه شرقاً وحتى العامرية غرباً، بشكاوى المواطنين من تحول الشوارع الجانبية وحتى الميادين الرئيسية إلى بؤر للتلوث.
فجوة بين “البيانات” و”الواقع”
تشير البيانات الرسمية الصادرة في الربع الأخير من عام 2025 إلى رفع آلاف الأطنان من المخلفات؛ حيث أعلنت المحافظة عن رفع نحو 50 ألف طن من المخلفات الصلبة خلال شهر أكتوبر الماضي وحده. ومع ذلك، يرى المراقبون أن هذه الأرقام تعكس “إدارة الأزمة” لا “حلها”، حيث تظل المنظومة تعاني من بطء شديد في معدلات الجمع المنزلي، مما يدفع المواطنين للتخلص من القمامة في نقاط عشوائية تصبح مرتعاً “للنباشين” والحيوانات الضالة.
غياب الصناديق والجمع المنتظم
يشكو أهالي الإسكندرية من ندرة صناديق القمامة في المناطق المكتظة، وعدم التزام سيارات الشركة بجدول زمني محدد للمرور، مما يؤدي إلى تراكم “الجبال” القبيحة أمام المدارس والمستشفيات، حيث يُلاحظ تركيز الشركة المكثف على طريق الكورنيش والشوارع السياحية، مقابل إهمال واضح للأحياء الشعبية والقرى التابعة للمحافظة، مثل مناطق النهضة بالعامرية التي تعاني من تراكم النفايات في المصارف والترع، فغالباً ما تلجأ قيادات الشركة إلى تبرير القصور بـ”سلوكيات المواطن” أو “وجود عوائق فنية” في بعض المناطق، وهو منطق يرفضه السكندريون الذين يسددون رسوم النظافة شهرياً وينتظرون خدمة تليق بتاريخ المدينة.
في الإسكندرية الآن، ومع دخول موجات البرد والأمطار، تتحول أكوام القمامة المتراكمة إلى كارثة بيئية مضاعفة؛ فالأمطار تُحول النفايات إلى “وحل” يسد الشنايش (بالوعات الصرف)، مما يؤدي لغرق الشوارع.
تآكل الأسطول اللوجستي
رغم الوعود المتكررة بتحديث أسطول المعدات، يلاحظ المواطن السكندري تهالكاً واضحاً في عدد كبير من سيارات جمع النفايات التابعة للشركة، وكثرة أعطالها التي تؤدي إلى توقف الخدمة لأيام في بعض القطاعات، إذ إن الاعتماد على معدات تجاوزت عمرها الافتراضي لا يتسبب فقط في تراكم القمامة، بل يؤدي أيضاً إلى تسريب “عصارة النفايات” الكريهة في الشوارع أثناء عمليات النقل، مما يحول سيارات النظافة نفسها إلى مصدر للتلوث البصري والبيئي.
ضعف الرقابة الميدانية
هناك فجوة حقيقية بين التقارير المكتبية التي ترفعها الشركة وبين الحالة الميدانية للشارع، إذ إن غياب الرقابة الصارمة من الجهات التنفيذية بالمحافظة على “مربعات العمل” المنوطة بالشركة منح الأخيرة نوعاً من الطمأنينة التي تحولت بمرور الوقت إلى تراخٍ؛ فبدلاً من الغرامات الرمزية التي يتم فرضها أحياناً، يحتاج الواقع في 2025 إلى تفعيل نظام “الربط الإلكتروني” ومراقبة حركة السيارات عبر الأقمار الصناعية (GPS) لضمان وصول الخدمة لكل زقاق وشارع، وليس فقط الطرق الرئيسية التي يمر بها المسؤولون.
مع استمرار النمو السكاني في الإسكندرية، تبرز تحديات كبيرة تتعلق بقدرة البنية التحتية لإدارة المخلفات على مواكبة هذا النمو، حيث الحاجة إلى تطوير وتوسيع شبكات الجمع، وزيادة كفاءة عمليات المعالجة والتخلص، تصبح أكثر إلحاحًا لتجنب تراكم النفايات وتفاقم المشكلات البيئية والصحية المرتبطة بها.
مطالب عاجلة
لم تعد الحلول المؤقتة وحملات “النظافة المكبرة” تجدي نفعاً مع نمو المدينة المتسارع؛ فمع حلول ديسمبر 2025، يطالب أهالي الإسكندرية بتفعيل رقابة صارمة من الإدارة العامة للرصد البيئي بالمحافظة على أداء الشركة، وفتح باب المنافسة أمام شركات أخرى إذا استمر العجز عن تقديم خدمة متكاملة.
وبينما يتجه العالم نحو “الاقتصاد الدائري”، ما زالت شركة “نهضة مصر” تتعامل مع قمامة الإسكندرية بعقلية الحرق والردم التقليدي، حيث إن الفشل في تدشين منظومة حقيقية لفرز القمامة من المنبع أو التوسع في مصانع التدوير المتطورة جعل من الإسكندرية مدينة “تغرق في كنوزها الضائعة”. هذا الإهمال لملف التدوير لا يؤدي فقط إلى امتلاء المقالب العمومية بشكل انفجاري، بل يضيع على الدولة موارد اقتصادية ضخمة ويجعل من أزمة القمامة مشكلة أزلية لا تقبل الحل المستدام.
الوعي المجتمعي
يظل دور الوعي المجتمعي أساسيًا في نجاح أي منظومة لإدارة المخلفات، حيث يُصبح من الضروري تعزيز حملات التوعية بأهمية فرز المخلفات من المصدر، وتقليل إنتاج النفايات، والمشاركة الفعالة في برامج التدوير، إذ يُمثل تغيير السلوكيات الفردية والمجتمعية عنصرًا حاسمًا في تحقيق إدارة مستدامة للمخلفات.
لمواجهة تعقيدات إدارة المخلفات في الإسكندرية، تتزايد الحاجة إلى تبني حلول مبتكرة وبناء شراكات فعالة، حيث يمكن استكشاف فرص التعاون مع القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية لتقديم تقنيات جديدة في الجمع والمعالجة، وتطوير نماذج عمل مستدامة لمشاريع التدوير، مما يساهم في تحويل التحديات إلى فرص للتنمية المستدامة.
إن استمرار تراكم القمامة في “الثغر” هو جرح في جبين السياحة والبيئة المصرية؛ فعلى شركة “نهضة مصر” أن تدرك أن نجاحها لا يقاس بعدد الأطنان التي ترفعها بعد تراكمها، بل بالشوارع التي تظل نظيفة بفضل منظومة جمع ذكية واستباقية.
