سليدرمنوعات

الحب من أول نظرة

 

في زحام الحياة العابر، نمر بمئات الوجوه يومياً، وجوه تشبه العناوين المكررة التي لا تستوقفنا، لكن فجأة، ومن حيث لا ندري، يطل وجه يكسر رتابة المشهد، ويجبر الزمن على التوقف للحظة خاطفة. هنا، يولد ما نسميه “الحب من أول نظرة”، تلك الصدمة العذبة التي تربك الحواس وتعلن عن ميلاد حكاية لم تكن في الحسبان.

هذا الشعور ليس مجرد إعجاب عابر بالملامح، بل هو “لغة سرية” تدركها الأرواح قبل الأبصار؛ حيث يرى علماء النفس أن الإنسان يحمل في داخله “خارطة حب” غير مرئية، تتشكل من أمنياته وأطياف السكينة التي افتقدها. فعندما يلتقي بشخص يتطابق مع تلك الخارطة، تحدث “شرارة” تتجاوز حدود المنطق، وكأن الروح قد وجدت ضالتها المفقودة في زحام الوجوه.

ويبقى الحب من أول نظرة هو تلك “الرعشة” المقدسة التي تذكرنا بأننا ما زلنا بشراً، وأن قلوبنا ليست مجرد آلات للضخ، بل هي مرايا للأرواح. إنه الانحياز الجميل للقدر، حين يقرر أن يجمع شتات نفسين في طرفة عين، وكأن العمر كله كان مجرد انتظار لهذه اللحظة الخاطفة. قد يقول القائلون إنه وهم، وقد يراه الواقعيون جنوناً، لكنه في عمقه هو أجمل انتصارات الروح على رتابة الأيام؛ فما أجمل أن نترك للقلب العنان ليصدق، ولو لمرة، أن نظرة واحدة قادرة على ترميم ما أفسده الزمان، وأن وجهًا غريبًا قد يصبح فجأة هو الوطن، والملاذ، والقصيدة التي لم تكتمل إلا به.

ميناء الأرواح

ثمة كيمياء خفية لا تدركها المختبرات، بل تشعر بها الأرواح حين تتصافح بالعيون قبل الأيدي؛ فالحب من أول نظرة هو بمثابة “ميناء” ترسو عليه سفننا المتعبة بعد رحلة طويلة من التيه. في تلك اللحظة، يتوقف صخب العالم، ويصبح المكان شاسعاً لا يتسع إلا لشخصين، وكأن القدر قد اختصر كل المسافات، وكل الوجوه، وكل السنين، ليحصر معنى السعادة في نظرة واحدة تختزل ألف كلمة، وتمنح القلب صك الغفران عن كل خيباته السابقة.

تاريخياً، لم يكن هذا الانجذاب مجرد خيال شعري في قصص “قيس وليلى” أو “روميو وجولييت”، بل هو ظاهرة يحاول العلم تفسيرها عبر “كيمياء الدماغ”. يقول الباحثون إن الدماغ يحتاج إلى جزء من الثانية ليقرر مدى انجذابه، حيث تتدفق هرمونات السعادة لترسم صورة مثالية لهذا الغريب، وكأن الطبيعة تتآمر لتجمع بين قلبين.

لكن، هل يكفي “الإبهار البصري” لبناء حياة؟ إن ما يحدث في تلك اللحظة هو انجذاب للهيبة، أو لابتسامة عابرة، أو لبريق في العينين. أما الحب بمفهومه العميق، فهو “بناء” لا يكتمل إلا بالتجارب والمواقف، واكتشاف خبايا الشخصية التي لا تظهرها نظرة عابرة مهما كانت قوتها، فالنظرة هي “الباب” أما العِشرة فهي “البيت”.

وعلى الرغم من طابعها الرومانسي، إلا أن “النظرة الأولى” في مجتمعاتنا غالباً ما تكون محملة بموروثات خفية؛ فنحن دون أن ندري، نبحث في ملامح الآخر عن “الأمان” أو “الانتماء”. إنها ليست صدفة بصرية مجردة، بل استجابة فورية لإشارات توحي بأن هذا الشخص هو “النصف الآخر”، مما يجعلنا نندفع عاطفياً قبل أن نتبين الحقائق.

ومع ذلك، يبرز التحدي الأهم: هل تصمد هذه الشرارة أمام رياح الواقع؟ إن سر نجاح “عشاق النظرة الأولى” يكمن في قدرتهم على العبور من “مرحلة الإبهار” إلى “مرحلة الاحتواء”؛ فحين تبدأ التفاصيل اليومية بالظهور، قد تذبل الصورة المثالية إذا لم تُسقَ بماء التفاهم، فتحويل “الصدفة” إلى “علاقة طيبة” هو الفن الحقيقي.

إن الحقيقة الإنسانية تكمن دائماً فيما وراء السطور؛ فالحياة لا تكتمل بمجرد الاستمتاع بالبدايات الجذابة، بل بالتعمق في التفاصيل؛ فالحب من أول نظرة قد يكون الافتتاحية التي تشد القلب، ولكن بقاء القصة حية يتطلب تفاصيل صادقة، ومواقف لا تقبل التزييف، وقدرة على الصمود رغم كل عثرات الطريق.

ولا يمكننا أن ننكر تلك “الشاعرية” الفذة التي يضفيها هذا النوع من الحب على جفاف واقعنا؛ فهو يمثل انتصاراً للروح على المادة.. إنها لحظة يصمت فيها كل شيء ليتحدث نبض القلب وحده، معلناً عن أمل جديد؛ فبرغم كل التفسيرات المنطقية، يبقى للرومانسية سحرها الذي يجعلنا نصدق أن الأرواح تتآلف قبل أن تتكلم الألسن.

تظل الحكمة تقتضي منا ألا نتوقف عند حدود “الانبهار الأول”، بل أن نجعل من تلك النظرة دافعاً للبحث عن “الجوهر”، إذ إن الحب الذي يبدأ بنظرة هو بذرة سحرية، ولكنها تحتاج إلى أرض صلبة من الاحترام لكي تنمو، حيث إن أجمل ما في هذا الحب هو أنه يعيد إلينا دهشة الطفولة، ويعلمنا أن العالم ما زال يخبئ لنا مفاجآت سارة.

النظرة قد تفتح الباب، لكن المودة هي التي تصنع الاستمرار. الحب من أول نظرة هو شرارة قد تكون بداية لقصة عميقة، لكنها تحتاج إلى الوقت لتتحول إلى سكن دائم. هو ذلك المزيج بين “سحر البدايات” و”صدق النهايات” الذي يجعل للحياة طعماً مختلفاً ومعنى أعمق.

سحر الدهشة

إن هذا الانجذاب الخاطف هو “الدهشة” التي تعيد للكون ألوانه الزاهية في عيوننا؛ فهو يمنحنا القدرة على رؤية الجمال في أبسط الأشياء، ويجعل من صمت اللقاء معزوفة موسيقية لا تنتهي. ففي الحب من أول نظرة، نتحول إلى شعراء بالفطرة، حيث لا نحتاج إلى القوافي لنعبر عما بداخلنا، بل نحتاج فقط إلى تلك “الومضة” التي تجعل من حضور الطرف الآخر ضوءاً يبدد عتمة الروح، ويجعل من حضور الغريب حكراً على الذاكرة، كأنه كان جزءاً منا منذ الأزل وضاع منا ثم وجدناه.

في الحب من أول نظرة، يرقص القدر على أوتار القلوب المترقبة، حيث ينسج من اللحظة العابرة خيطاً حريرياً يربط بين عمرين. إنه الإيمان المطلق بأن هناك “نصفاً” ينتظرنا في زاوية ما من هذا العالم، وحين نلتقيه، تشتعل فينا الحياة من جديد، وكأننا لم نكن أحياءً من قبل. هو ذلك الشعور بأن الوقت قد انحنى احتراماً لهذا اللقاء، وأن الدنيا بكل ما فيها من ضجيج، قد سكنت تماماً لتفسح المجال لنبضة واحدة، صادقة، وحالمة، تقول لغريب لم نعرفه قط: “أهلاً بك، لقد عدت أخيراً إلى منزلك”.

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=9762

موضوعات ذات صلة

الشوكُ والقرنفل.. قصة كل سنوار أضاء عتمته بالمقاومة

المحرر

تأجيل افتتاح المتحف المصري بسبب الأحداث الإقليمية

المحرر

واشنطن تعيد تشكيل حضورها فى الشرق الأوسط

ضاحى محمود

حسان النعماني: جامعة سوهاج تولي الرياضة اهتمامًا خاصًا

محمد عطا

الزراعة: خطة جديدة لحماية الثروة الحيوانية

المحرر

الجنون.. بين الحقيقة والخيال

المحرر