
د. خالد محمد غازي
ليست الحرب على إيران، في صورتها الراهنة، حربا مفتوحة بالمعنى الذي بدت عليه في أسابيعها الأولى، لكنها ليست سلاما استقرت شروطه كذلك. ما يتشكل أمامنا الآن هو وضع أكثر التباسا: نار خفتت في موضع، واشتعلت في مواضع أخرى، وتفاوض يتهيأ للانعقاد تحت سقف كثيف من الشكوك، وهدنة ما تزال منذ لحظتها الأولى موضع خلاف في تعريفها وحدودها ومدى قدرتها على الصمود. ولهذا لم يعد السؤال الأهم هو: متى تتوقف الحرب؟ بل: هل نحن أمام بداية خروج فعلي من المواجهة، أم أمام إعادة ترتيب للصدام في صورة أقل صخبا وأكثر قابلية للعودة؟
1
ذلك أن الحروب الكبرى لا تنتهي حين تهدأ المدافع وحدها، بل حين يقتنع أطرافها، صراحة أو ضمنا، بأن ما كان ممكنا بالقوة قد بلغ مداه، وأن ما بقي بعد ذلك لا يقود إلى نصر أوضح، بل إلى خراب أوسع. وهذه اللحظة، في ما يتعلق بالحرب على إيران، لم تنضج بعد على نحو كامل. صحيح أن الاندفاعة الأولى للصدام لم تعد قائمة بالصورة نفسها، لكن الصحيح أيضا أن عناصر الأزمة التي فجرت الحرب لم تُحسم، وأن ما انكسر في الميدان لم يتحول بعد إلى صيغة سياسية مستقرة.
من هنا تبدو الهدنة القائمة أقل شبها بالنهاية، وأكثر شبها بالتعليق. فهي لم تأت ثمرة حسم مكتمل، بل نتيجة اصطدام جميع الأطراف بسقف الكلفة. وهذا فارق جوهري. فحين تتوقف الحرب لأن أهدافها أُنجزت، يكون وقف النار امتدادا منطقيا للحسم. أما حين تتوقف لأن أثمان الاستمرار أخذت تتجاوز ما يمكن احتماله، فإن التوقف لا يكون سوى استراحة محكومة بالحذر، قابلة للتثبيت كما هي قابلة للانهيار. لذلك يبدو المشهد الراهن خاليا من صورة المنتصر الكامل، وخاليا أيضا من القدرة على الادعاء بأن القوة أوصلت وحدها إلى الغاية التي أُريد لها منذ البداية.
ويزداد هذا المعنى وضوحا حين ننظر إلى الخلاف القائم على معنى التهدئة نفسها. فالصراع لم يتراجع بالقدر نفسه في جميع ساحاته، بل بدا كأنه ينسحب من جبهة ليترك المجال مفتوحا أمام جبهة أخرى. وهنا تبرز الساحة اللبنانية لا بوصفها هامشا، بل بوصفها اختبارا حقيقيا لمدى جدية التهدئة. فإذا كانت النار قد خفتت في المواجهة الأميركية الإيرانية المباشرة، فإن استمرار الضغط العسكري في لبنان يعني أن الإقليم لم يغادر منطق الحرب، بل أعاد توزيعها بين مسارات مختلفة. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الحديث عن النهاية سوى تعبير متعجل، لأن الحرب لا تكون قد انتهت، بل تكون قد بدلت موقع ثقلها.
وهذه الهشاشة لا ترجع فقط إلى تعدد الجبهات، بل إلى غموض الغاية نفسها. فمنذ البداية لم تُصغ أهداف الحرب بحدود صارمة تسمح بمعرفة النقطة التي يمكن عندها القول إن المهمة أُنجزت. هل كان المقصود تعديل سلوك إيران الإقليمي؟ أم إعادة رسم ميزان الردع؟ أم دفع طهران إلى تنازلات أوسع في الملف النووي؟ أم إنهاك البنية التي تنتج القرار داخلها؟ حين تتعدد الغايات على هذا النحو، يضيع الحد الفاصل بين ما يُعد إنجازا وما يُعد مجرد خطوة في مسار أطول. وهنا ينشأ مأزق الحرب الطويلة: لا أحد يستطيع أن يعلن النهاية من دون أن يبدو إعلانه أقل من الواقع، ولا أحد يستطيع أن يواصل الطريق من دون أن تتسع أمامه فاتورة ما بدأه.
2
ولم تُظهر إيران، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بها، أنها هدف يسهل إسقاطه بضربة واحدة أو بضغط خاطف. لقد أظهرت الأسابيع الماضية أن الدولة التي راكمت خبرة طويلة في العقوبات والعزلة والاشتباك غير المباشر لا تنكسر بالسرعة التي يتخيلها خصومها، وأن الألم العسكري، مهما اتسع، لا يساوي بالضرورة انهيارا سياسيا شاملا. وهذه النقطة بالذات هي التي تفسر التحول من لغة الحسم السريع إلى لغة التفاوض المشروط. فعندما تعجز النار عن إسقاط البنية المقصودة، تعود السياسة إلى الواجهة، لا بوصفها خيارا مثاليا، بل بوصفها الممر الأقل كلفة.
لكن العودة إلى السياسة لا تعني أن الصراع صار وراءنا. فثمة فرق كبير بين أن تدخل الأطراف باب التفاوض لأنها بلغت صيغة قابلة للحياة، وبين أن تدخله لأنها تحتاج إلى وقت، أو إلى تخفيف مؤقت يمنع الانزلاق إلى ما هو أشد خطرا. والأرجح أن اللحظة الراهنة أقرب إلى الاحتمال الثاني. فالمفاوضات المنتظرة لن تكون مفاوضات ثقة، بل مفاوضات ردع متبادل. كل طرف يدخلها وهو يحتفظ بأدوات الضغط، ويريد أن يضمن ألا يتحول التراجع المؤقت إلى تنازل استراتيجي دائم. وفي مثل هذا المناخ لا تُولد التسويات من صفاء الإرادة، بل من توازن الخوف، وهي تسويات تبقى هشة ما لم تستند إلى تعريف واضح للمصالح والحدود وآليات التنفيذ.
وإذا كان الميدان العسكري قد كشف حدود القوة، فإن مضيق هرمز كشف حدود الاحتمال الاقتصادي. فالأزمة لم تعد محصورة في الخرائط العسكرية، بل صارت تمس شرايين العالم نفسه: الطاقة، والنقل البحري، والأسواق، وكلفة المعيشة في بلدان بعيدة عن ساحة القتال. وهذا التحول بالغ الدلالة، لأن الحرب حين تنتقل من خطوط النار إلى قلب الاقتصاد العالمي تكتسب معنى مختلفا. لم تعد مجرد نزاع بين خصوم مباشرين، بل أصبحت عبئا دوليا تتداخل فيه مصالح القوى الكبرى، وقلق الاقتصادات الهشة، وخشية العالم من أن يتحول اضطراب الإقليم إلى اختناق أوسع. وعند هذه النقطة، يغدو وقف الحرب أقل اتصالا بفكرة النصر، وأكثر اتصالا بفكرة منع الانفلات.
لهذا لا تبدو الكلفة هنا بندا لاحقا في دفتر الحساب، بل جزءا من تعريف المرحلة نفسها. فما يمكن احتماله في الأيام الأولى تحت تأثير التعبئة والانفعال لا يبقى قابلا للاحتمال حين يمتد أثره إلى الأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد والميزانيات العامة. وكلما طال أمد الاضطراب، خسر الخيار العسكري جزءا من منطقه الأول بوصفه أداة اختصار، وبدأ يظهر على حقيقته الجديدة: وسيلة ضغط مرتفعة الثمن، لا تضمن وحدها الوصول إلى نتيجة مستقرة. وهنا تبدأ السياسة في استعادة مكانها، ليس لأنها أكثر حكمة، بل لأن الوقائع تفرض عليها أن تتقدم بعدما بلغت القوة حدودها.
غير أن لحظة التوقف، إذا جاءت، فلن تأتي في هيئة مشهد واضح ونظيف. الأغلب أنها ستصل متدرجة، مترددة، ناقصة، ومحاطة بعبارات فضفاضة ومراحل انتقالية وتفاهمات قابلة للتأويل. فالحروب التي تعجز عن إنتاج نصر قاطع لا تتوقف عادة عند نقطة مضيئة وحاسمة، بل عند حافة الإنهاك، حين يقتنع الجميع، بدرجات متفاوتة، بأن ما يمكن انتزاعه بالقوة قد أُخذ، وأن ما بقي بعدها لا يزيد المشهد إلا تشظيا. وهذه ليست لحظة مجد سياسي، بقدر ما هي لحظة اعتراف متأخر بحدود ما تستطيع القوة أن تفعله.
3
من هنا يمكن القول إن الحرب على إيران لم تنته بعد، لكنها فقدت يقينها الأول. لم تعد حربا تتقدم بثقة نحو غايتها، ولم تعد كذلك قابلة للاستمرار بالمنطق الذي بدأت به. لقد دخلت طورا أكثر غموضا، حيث تتراجع الشعارات الكبرى أمام الأسئلة الأثقل: ما مقدار الكلفة الممكن احتمالها؟ ما حدود الضغط الذي يمكن استدامته؟ وما الثمن الذي سيدفعه الجميع إذا انفرط الخيط الهش الذي يمنع الآن العودة إلى الانفجار الكامل؟
ولهذا لا تقف المنطقة اليوم على أبواب سلام، كما لا تقف على يقين حرب مفتوحة. إنها تقف في مساحة بينهما، حيث تعمل السياسة تحت ظل السلاح، ويحاول كل طرف أن يتجنب الهزيمة من دون أن يملك صورة كاملة للنصر. وفي مثل هذه اللحظات لا تنتهي الحروب لأن أحدا ربح كل شيء، بل لأنها تكشف، بعد اتساع الخراب، أن الغاية الكاملة كانت أبعد من أن تُنال، وأن الاستمرار نفسه صار عبئا أكبر من أي مكسب متخيل. هنا فقط يبدأ التوقف الحقيقي: حين تدرك الأطراف أن ما تعجز القوة عن حسمه، لا يجوز تركه مفتوحا إلى ما لا نهاية.
