
تحت ظلال نخيلٍ شامخٍ يعانق السماء، تستقبل مدينة القرين زائريها بمشهدٍ يختصر تاريخًا من العطاء والرزق. هنا لا تُعد أشجار النخيل مجرد جزء من الطبيعة، بل علامة فارقة في هوية المكان، ومصدر فخر لأهله الذين ارتبطت حياتهم بمواسم البلح جنيًا وزراعةً وتجارة. ومع بداية موسم الحصاد، تتحول القرين إلى ورشة عمل مفتوحة، حيث تتجدد الحكاية السنوية بين الإنسان والنخلة، في رحلة تبدأ من القمة العالية وتنتهي بثمارٍ حلوة تنتظرها الأسواق.
أبناء القرين يؤكدون أن مدينتهم تُعد المعقل الأبرز للنخيل بمحافظة الشرقية، لما تتميز به من جودة الثمار وطعمها المميز. ومع بدء موسم الحصاد، تزداد الحركة داخل الحقول، ويحرص الأهالي على استغلال كل نخلة باعتبارها مصدر رزق متجدد.
جولة بين الحقول مع أحد أبناء القرين
وخلال جولة ميدانية لـ «صوت البلد» داخل عدد من الحقول، رافقنا الشيخ أبو سعد، أحد أبناء المدينة، ليكشف لنا أسرار التعامل مع أشجار النخيل الشاهقة. للوهلة الأولى، يبدو تسلق هذه الأشجار أمرًا بالغ الصعوبة، إلا أن «طالع النخيل» يتعامل معها بخبرة ومهارة، ليصل إلى عراجين البلح ويجني أفضل الثمار بسهولة لافتة.
يوضح الشيخ أبو سعد أن إنتاج البلح يمر بعدة مراحل دقيقة، تبدأ في أوائل العام بمرحلة التلقيح، حيث يتم جمع اللقاح من أشجار النخيل الذكر، وتجفيفه وتعريضه للشمس قبل وضعه داخل النخيل الأنثوي، في خطوة أساسية لنجاح المحصول.
وعقب التلقيح، تبدأ المرحلة الثانية بظهور ثمار البلح الأخضر. في هذه المرحلة، يتم تسلق النخيل وربط العراجين وتدليتها بعناية، لحمايتها من الرياح وتقلبات الطقس، وضمان نموها بشكل صحي دون تلف.
ومع اكتمال النضج، تبدأ المرحلة الأهم وهي الجني. يحمل طالع النخيل أدواته الخاصة، ويتسلق الأشجار لجمع الثمار داخل «مِشَنّة»، ثم تُنقل إلى الأرض تمهيدًا لتجميعها وفرزها. موسم يُجسد خلاصة شهور طويلة من العمل والصبر.
وتشتهر القرين بتنوع أصناف البلح، من بينها: الحياني، الزغلول، بنت عيشة، العامري وغيرها، ويستمر موسم الحصاد قرابة شهرين، تشهد خلالهما المدينة نشاطًا اقتصاديًا ملحوظًا.
ويشير الشيخ أبو سعد إلى وجود أماكن مخصصة لبيع البلح، يقصدها تجار من مختلف محافظات الجمهورية، لما تتمتع به القرين من سمعة طيبة في هذا المجال. وتختلف الأسعار حسب الصنف وجودة الثمار، حيث يُباع البلح الرطب بنحو 6 جنيهات للكيلو، بينما يصل سعر البلح الأحمر إلى حوالي 3.5 جنيهات.
ويبقى موسم جني البلح هو الحدث الأبرز لأهالي القرين، ليس فقط كمصدر دخل، بل كعادة متوارثة تجمع بين العمل والفرحة، وتؤكد أن للنخيل في هذه المدينة قصة لا تنتهي مع العطاء.
