دين ودنيا

الله معنا.. فلا غالب لنا

تتسارع خطى العالم من حولنا، غارقة في لجّة التحولات السياسية والاضطرابات الاقتصادية، وبينما تنصهر الهوية الإنسانية في بوتقة الذكاء الاصطناعي وصخب المادة، يلوح في أفق عام 2026 شعاع من الطمأنينة يسكن القلوب؛ فبرغم ضآلة الفرد أمام جبروت الآلة، يظل هناك إيمان راسخ يتجاوز حدود التكنولوجيا، ويقين يملأ الروح بالسكينة، مؤكداً الحقيقة الأسمى التي لا تتبدل بتبدل الأزمان: “الله معنا”.

إن عبارة “الله معنا” ليست مجرد شعار يُرفع في الأزمات، بل هي “منهج حياة” وعقيدة راسخة تمنح النفس البشرية توازناً لا توفره كنوز الأرض؛ فهي العروة الوثقى التي نتمسك بها حين تضطرب الرؤى، وهي النور الذي يبدد عتمة القلق من المستقبل.

نحن نعيش اليوم في عصرٍ يوصف بأنه عصر “ما بعد المعلومات”، حيث تداخلت الحقائق بالزيف، وأصبح القلق الوجودي سمة العصر. ففي هذا المشهد المعقد، يأتي الإيمان بالمعية الإلهية ليكون “بوصلة النجاة”؛ فعندما ندرك أن القوة المطلقة، والرحمة الواسعة، والتدبير الحكيم بيد الله وحده، تهون أمامنا عظمة التحديات.

فمن علينا؟

إذا كان الخالق سبحانه بجماله وجلاله معنا، فمن ذا الذي يقدر على كسر إرادتنا؟ إن الخوف من “الآخر”، أو الخوف من “الفوات”، أو الخوف من “المجهول”؛ كلها قيود تتحطم على صخرة اليقين بـ”معية الله”. هذه المعية التي تمنح الضعيف قوة، والفقير غنىً، والمظلوم نصرة، إذ إن المتأمل في تاريخ الأمم، وفي مسيرة الأفراد، يجد أن الانتصارات الكبرى لم تتحقق يوماً بكثرة العَدد أو العُدد فحسب، بل بذلك المدد الروحي الذي يجعل الإنسان يواجه الصعاب بقلبٍ ثابت وقدمٍ راسخة.

وبينما يهرع العالم نحو مادية بحتة، لنجعل من قلوبنا محاريب لليقين؛ لنعمل بصمت، ونبني بعزيمة، ونواجه تحدياتنا بابتسامة الواثق؛ لأننا نعلم يقيناً أن من كان الله معه، سُخرت له الأسباب، وذُللت له الصعاب، وفتح الله له أبواباً لم يكن يحسب لها حساباً، إذ إن الطريق قد يكون طويلاً، والتحديات قد تكون جساماً، ولكن ما دام العبد يقول بصدق “يا رب”، ويستشعر في كل نبضة أن “الله معه”، فإنه لن يضل ولن يشقى. هي كلمة واحدة تختصر كل حكايا النصر والسكينة: الله معنا.. وكفى بالله ولياً، وكفى بالله نصيراً.

في عامنا هذا، 2026، وبينما تتسيد الخوارزميات المشهد، يبرز الإيمان كحصن أخير للخصوصية الروحية، حيث إن الذكاء الاصطناعي قد يحل لنا معادلات معقدة، لكنه لا يمنح الطمأنينة لقلبٍ وجل. هنا تبرز معية الله كطاقة محركة تتجاوز حدود المنطق المادي؛ فبينما يثق البعض في “قوة البيانات”، نثق نحن في “رب السماوات”، وهو فارق جوهري يجعل المؤمن في حالة من السلام النفسي لا تدركها أعتى المعالجات الرقمية.

إن المتغيرات الجيوسياسية التي يشهدها العالم اليوم قد تثير الرعب في النفوس الضعيفة، لكن من يستشعر أن “الله معه” يرى في هذه التحولات مجرد ذرات في ملكوت الله الخاضع لتقديره. إنها “معية السكينة” التي تجعل الصحفي يكتب بصدق رغم الضغوط، والمبدع يبتكر رغم الشح، والإنسان العادي يبتسم في وجه الأزمات الاقتصادية، إيماناً بأن الرزاق لا يغفل، وأن مدبر الأمر لا ينام.

نصرة الله

وعلى صعيد القضايا الإنسانية الكبرى التي لا تزال تئن تحت وطأة الازدواجية الدولية، تظل جملة “الله معنا” هي الملاذ لكل مظلوم سُدت في وجهه أبواب العدالة الأرضية. إنها اليقين بأن عين الله ترعى المستضعفين، وأن موازين القوى مهما مالت لجهة الباطل، فإن كفة الحق الراجحة هي التي يكتبها الله في النهاية. هذه المعية هي التي تمد أصحاب الحقوق بالنفس الطويل والصبر الجميل.

إن فلسفة “الله معنا” تحول نظرتنا للابتلاءات في هذا العصر؛ فالفشل ليس نهاية الطريق، والمرض ليس انقطاعاً للأمل، والأزمة ليست انسداداً للأفق، بل هي اختبارات تصقل المعدن البشري، فعندما تدرك أن الله معك في قلب التجربة، ستجد أن في كل محنة “منحة” خفية، وفي كل ضيق مخرجاً إلهياً يتجلى في الوقت المناسب، تماماً كما تتجلى الشمس من وراء سحب الشتاء الكثيفة.

إننا في بداية 2026 مدعوون للاستثمار في رصيدنا الإيماني تماماً كما نهتم بالاستثمار في أصولنا المادية. إن “الله معنا” تعني أن نستحضر رقابته في مهنيتنا، وصدقنا، وعلاقاتنا الإنسانية. إنها دعوة للتحرر من عبودية الأشخاص والظروف، والارتقاء إلى فضاء العبودية لله وحده، حيث الحرية الحقيقية والقوة التي لا تُقهر.

إن “الله معنا” ليست مجرد مسكن للآلام، بل هي وقود للأمل، ومحرك للتغيير، ومنطلق للإعمار؛ فمن كان الله معه، وجد كل شيء وإن فقد كل شيء، ومن كان الله عليه، فقد كل شيء وإن وجد كل شيء؛ لننطلق في عامنا هذا بقلوب يملؤها اليقين، وأرواح تعانق السماء، مدركين أن من احتمى بحمى الخالق، لن يضيره كيد المخلوق.. فالله معنا، وكفى به هادياً ونصيراً.

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=12862

موضوعات ذات صلة

الجامع الأزهر .. إشعاع علمي ورسالة وسطية عالمية

محمود على

أسبوع الدعوة يناقش تحديات المرأة بين الهوية والتغريب

محمود على

دولة التلاوة.. منصة عربية تُعيد للقرآن جماله

محمود على

تخريج دفعة جديدة من الدعاة الوافدين بالأزهر

محمود على

هل يُعيد البابا تواضروس كتابة تاريخ الكنيسة القبطية؟

حازم رفعت

قمة روحية بالإسكندرية تجدد عهود المحبة والوحدة

حازم رفعت