رياضةسليدر

تجارة الأحلام الكروية تبتلع أطفال القرى

عاد أشرف من إحدى دول الخليج في أجازة قصيرة، لم يكن هدفها الراحة بقدر ما كان الوقوف إلى جانب ابنه محمد، صاحب الاثني عشر عامًا، في تجربة كروية وعدت بأنها قد تكون بوابة الاحتراف، والإعلان الذي جذب انتباه الأسرة انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحدث عن وصول كشاف تابع لنادي كبير إلى إحدى قرى وسط الصعيد لاختيار المواهب الصغيرة.
لم تمر أيام قليلة حتى تحولت الفرحة إلى صدمة، اكتشف أشرف أن ما ظنه فرصة حقيقية لم يكن سوى حلقة في سلسلة طويلة من الخداع المنظم، حيث تبين أن الكشاف لا تربطه صلة بالنادي الذي ادعى تمثيله، وأن الملعب الذي جرت عليه الاختبارات مؤجر لأكاديمية خاصة تستغل اسم النادي فقط لجذب الأسر.
هذه القصة ليست استثناء، بل واحدة من مئات القصص المتشابهة على مستوى الجمهورية وليس بوسط الصعيد فقط، وتشكل ظاهرة مقلقة في محافظات مصر المختلفة، خصوصا في القرى والمناطق الشعبية، لافتات معلقة على الجدران وأعمدة الإنارة، وإعلانات إلكترونية تحمل وعودا براقة مثل فرصة للاحتراف، اختبارات بحضور نجوم كبار، شراكات مع أندية عالمية، وكلها شعارات تستهدف شغف الأطفال وحلم الآباء في تكرار تجربة نجم عالمي خرج من بيئة بسيطة.

الحكاية كاملة

تبدأ الحكاية غالبًا برسوم تسجيل محدودة، لا تتجاوز بضع مئات من الجنيهات، ما يجعلها في متناول الأسر محدودة الدخل، ثم تتدرج المطالب المالية تتمثل في تصفيات إضافية، مباريات ودية، معسكرات تدريبية، وكل مرحلة لها ثمنها، وفي كل مرة يُمنح الطفل جرعة جديدة من الأمل تؤجل لحظة الاكتشاف.
أشرف، والد أحد الضحايا، لم يتردد في دعم ابنه، واشترى له مستلزمات اللعب، ودفع رسوم الاختبار الأول، وحضر معه تجربة قيل له بعدها إن محمد “لفت الأنظار”، تابع ذلك اختبارات أعلى في محافظة أسيوط المجاورة، ودفع رسوم جديدة، وحصل على وعد بالانضمام إلى نادي كبير، دون أي تواصل رسمي من النادي نفسه، وبدون أي تنفيذ من هذه الوعود.
ومع مرور الوقت، ظهر شخص آخر في القرية، قدم نفسه باعتباره كشافًا للنادي نفسه، وأكد أنه شاهد آلاف اللاعبين في محافظات عديدة، ولم يتأخر في طلب مبلغ جديد بحجة تنظيم دوري تصنيفي، لاحقا تصاعدت المطالب إلى أرقام صادمة، وصلت إلى عشرات الآلاف من الجنيهات، مقابل وعود بالانضمام إلى النادي.
وفي ذات القرية، يحكي مصطفى السيد تجربة مماثلة، حيث يقول إن أسرته دفعت رسوما لحضور اختبار قيل إن أحد النجوم المعروفين سيشرف عليه، لكن الحضور اقتصر على أسماء غير معروفة، مع تبرير غامض بأن “النجوم سيحضرون لاحقا”، ولم يحدث ذلك أبدا، ولم يكن هناك سبيل لاسترداد ما دفعت الأسرة.

فراغ رقابي
وعبر أيمن قاسم، والد أحد الضحايا، عن استنزاف مالي طويل الأمد، حيث استمر في دفع مبالغ شهرية على أمل أن يقترب حلم ابنه من التحقق، وقال: بالفعل، تلقيت وعود بانتقال أحمد إلى نادي كبير، لكن ذلك كان مشروطا بدفع مبلغ ضخم، وبعد فترة قصيرة، انتهت التجربة بإقصاء الطفل دون أي قيد رسمي، وكأن شيئا لم يكن.
بين هذه الشهادات المتكررة، تتكشف ملامح شبكة غير رسمية تعمل في فراغ رقابي، تستغل غياب الضبط القانوني، وتستثمر في الأحلام قبل المواهب، أطفال يدفع بهم إلى اختبارات لا قيمة لها، وأسر تستنزف ماديا ونفسيا، فيما تبقى الأندية الحقيقية بعيدة عن هذه الممارسات، لكنها أيضا غائبة عن حماية اسمها أو توعية الجمهور.
يبقى السؤال معلقًا إلى متى تستمر هذه التجارة الرمادية في مصادرة أحلام الصغار، دون إطار قانوني واضح أو رقابة حقيقية تحمي الأسر من الوقوع في فخ الوهم؟

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=10338

موضوعات ذات صلة

اقتراع في 20 دائرة بـ7 محافظات ضمن المرحلة الأولى لانتخابات النواب

أيمن مصطفى

اليونسكو تُحيي ذاكرة الإسكندرية التراثية

أيمن مصطفى

الحب بمن حضر.. قصة النور والنار الأبدية

المحرر

حملات مكثفة على تداول أسواق اللحوم والدواجن

المحرر

زمالك الأحلام عاد بعد غياب

المحرر

إجراءات وقائية لمنع إنتشار فيرس حمي غرب النيل

المحرر