
مع أولى نسمات الخريف وبداية تبدل لون الحقول، تدخل أراضي الشرقية مرحلة الحصاد، حيث لا يُقاس الموسم بالأرقام فقط، بل بعدد الأيادي التي تعمل تحت الشمس، وبكمية الخير الخارج من باطن الأرض. وفي هذا التوقيت من كل عام، تتحول مساحات واسعة من المحافظة إلى لوحات عمل مفتوحة، تعلن انتهاء دورة زراعية وبداية رحلة جديدة للمحصول في الأسواق.
وسط هذه الأجواء، يفرض «الفول السوداني» حضوره بقوة، خاصة في مدينة القرين، التي ارتبط اسمها بالمحصول لسنوات طويلة، ليصبح سبتمبر موعدًا ثابتًا لحكاية زراعية تتكرر، عنوانها الأرض، وبطلها الفلاح، وشاهدها شمس لا تغيب.
«القرين» عاصمة الفول السوداني
تُعرف مدينة القرين بزراعة الفول السوداني على مساحات واسعة من أراضيها، حتى أصبح المحصول علامة مميزة للمدينة ومصدر رزق رئيسي لعدد كبير من الأسر.
وخلال جولة ميدانية لـ «صوت البلد» داخل الحقول، تتجسد ملامح موسم الحصاد في مشاهد إنسانية متكررة، حيث يعمل الرجال على اقتلاع نبات الفول السوداني من الأرض، بينما تجلس السيدات تحت مظلات بدائية مصنوعة من الأخشاب والشكاير، لبدء مرحلة التقطيف وفصل الثمار عن جذور النبات.
من باطن الأرض إلى حرارة الشمس
بعد اقتلاع النبات، تُجمع ثمار الفول السوداني وتُفرش على مساحات مفتوحة من الأرض، لتتعرض لأشعة الشمس المباشرة، في خطوة أساسية ضمن مراحل التجفيف والتجهيز قبل الطرح في الأسواق.
وتحول حرارة الشمس الحقول إلى ورش عمل مفتوحة، تُستكمل فيها رحلة المحصول من الأرض إلى موائد المستهلكين.

الفول والبلح… حصاد واحد وأرض واحدة
وأكد عدد من مزارعي القرين أن زراعة الفول السوداني تشغل مساحات كبيرة من أراضي المدينة، وغالبًا ما تتقاسمها زراعة النخيل، حيث يتزامن حصاد الفول مع جني البلح، ليصبح سبتمبر شهرًا مزدحمًا بالعمل الزراعي.
وأشاروا إلى أن هذا التزامن يمثل عبئًا مضاعفًا، لكنه في الوقت نفسه يعكس ثراء الأرض وتنوع إنتاجها.
مراحل الزراعة… رحلة تبدأ في أبريل
وقال إبراهيم علي عبدالرازق، أحد مزارعي الفول السوداني، إن المحصول يمر بعدة مراحل دقيقة منذ لحظة الزراعة وحتى الحصاد.
وأوضح أن الزراعة تبدأ في شهر أبريل، بعد حرث الأرض وتسويتها وتجهيزها على هيئة خطوط، حيث يتم زرع الفول السوداني فيما يُعرف بـ«الريشة»، مع تسميده بانتظام، ليظل في الأرض نحو أربعة أشهر حتى يصل إلى مرحلة النضج.
غربلة وتجفيف استعدادًا للأسواق
بعد الحصاد، تبدأ مرحلة التنقية، حيث يتم فصل الثمار عن النبات، ثم وضعها في غرابيل للتخلص من الشوائب، قبل انتقاء الحبوب الجيدة وتجميعها في صناديق.
وتُعاد عملية النشر تحت أشعة الشمس مرة أخرى، لضمان اكتمال النضج والجودة، تمهيدًا لتسويق المحصول.
من الحقل إلى المائدة
لا يقتصر استخدام الفول السوداني على البيع فقط، إذ يقوم بعض الأهالي بطهيه بطرق مختلفة، أبرزها التحميص، بينما يفضل آخرون سلقه وتناوله طازجًا.
أما على مستوى التسويق، فيتولى التجار شراء المحصول من المزارعين وتوزيعه على الأسواق، ليصل إلى مختلف المحافظات.
الشرقية.. سلة غذاء لا تنضب
وتعد محافظة الشرقية واحدة من كبرى المحافظات الزراعية في مصر، إذ تحتل المركز الأول في إنتاج القمح، إلى جانب مراكز متقدمة في إنتاج القطن وعدد من المحاصيل الاستراتيجية الأخرى، ما يعزز مكانتها كإحدى ركائز الأمن الغذائي في البلاد.
ومع كل موسم حصاد، تؤكد الشرقية أن أرضها لا تزال قادرة على العطاء، وأن الفول السوداني ليس مجرد محصول، بل حكاية عمل وتعب وصبر تبدأ من باطن الأرض ولا تنتهي عند حدود السوق.
