دين ودنياسليدر

تراويح رمضان.. رحلة الأرواح في محراب السكينة

تُعد صلاة التراويح من أبهى الصور الإيمانية المميزة لليالي شهر رمضان المبارك، فهي رحلة روحية يومية ينطلق فيها المسلم من ضجيج المادة إلى سعة الروح، ومن كدر الحياة إلى صفاء المناجاة.

استمدت هذه الصلاة اسمها من “الراحة” استناداً إلى أصلها الفقهي الذي يمنح المصلي فرصة للترويح عن النفس والاستراحة بين الركعات. وقد أرساها النبي ﷺ بوصفها سنة التراويح المؤكدة، مرغباً فيها بقوله: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». وتجلت عبقرية التنظيم حين جمع الفاروق عمر بن الخطاب الناس خلف إمام واحد، ليرسخ قيام رمضان كفعل جماعي مهيب يقوي تماسك الأمة.

منح ربانية

إن فضل التراويح يتجاوز حدود الثواب المعتاد؛ فهي فرصة سنوية لملازمة القرآن الكريم تلاوةً وسماعاً، حيث يجتمع المسلمون على ختم كتاب الله، مما يجدد العهد مع الوحي الإلهي. كما أنها بوابة لاستنزال الرحمات ومغفرة الذنوب، وتحقيق الوعد النبوي بكتابة أجر “قيام ليلة كاملة” لمن صلى مع الإمام حتى ينصرف.

وبعيداً عن الأثر التعبدي، تمنح التراويح انضباطاً نفسياً وجسدياً للصائم؛ فهي ترويض للنفس على الصبر، وتهذيب للحواس، فضلاً عما تحققه من تواصل اجتماعي وتآلف بين القلوب التي تجتمع في صعيد واحد، متجردة من الفوارق والطبقات، مما يعزز السلم المجتمعي والروح الإيجابية.

صلاة التراويح ستظل هي “رئة” الشهر الفضيل التي يتنفس من خلالها المؤمنون عبير القبول؛ فليكن حرصنا عليها نابعاً من رغبة في التغيير وجلاء القلوب، لتكون هذه الركعات معراجاً حقيقياً يرتقي بنا نحو آفاق الطهر والاستقامة.

وتتجلى عظمة هذه الشعيرة في كونها “سُنةً تركها النبي ﷺ رفقاً بنا”؛ فقد صلاها لياليَ معدودة ثم انقطع عن المسجد خشية أن تُفرض على الأمة فتُعجزها، حيث إن هذا المنهج النبوي يعلمنا فقه الرفق بالذات، فالعبرة في التراويح ليست بطول القيام الذي يُورث الملل، بل بالخشوع الذي يُورث الأمل، لتبقى العبادة مبهجة للنفس لا عبئاً على الجسد.

لا تكتمل فلسفة التراويح إلا بكونها “محراباً للقرآن”؛ ففيها يسمع العاميُّ والعالمُ كلام الله يُتلى في أتم صورة وأخشع صوت؛ حيث إنها الفرصة السنوية التي تتيح للمسلم استعراض آيات الكتاب الحكيم كاملة، مما يجعله يعيش قصص الأنبياء، ويتأمل في وعيد الظالمين ووعد المتقين، فتتحول الركعات من مجرد حركة بدنية إلى رحلة فكرية في ملكوت الوحي.

ومن الأمانة الدينية التذكير بأن التراويح “نافلة” وليست “فريضة”؛ لذا فإن أدب هذه الصلاة يقتضي ألا يضيع المسلم فرائضه أو حقوق أهله وعمله في سبيل تحصيل النوافل. كما أن سكينة المسجد واحترام قدسيته، وتجنب اللغو والضجيج في ساحاته، هي المكملات الروحية التي تضمن قبول العمل، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً من القول والعمل.

خلف كل إمام في صلاة التراويح، تذوب الفوارق الطبقية والاجتماعية؛ حيث يقف المدير بجانب العامل، والغني بجوار الفقير، في مشهد ديمقراطي إيماني لا يتكرر إلا في بلادنا؛ إذ إن هذا التلاحم اليومي يقوي الروابط الإنسانية، ويحول المسجد من دار للعبادة فقط إلى ملتقى اجتماعي يطمئن فيه الجيران على بعضهم البعض، مما يعزز روح التكافل والمحبة في نسيج المجتمع.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=14251

موضوعات ذات صلة

إعادة رسم ملامح البحر الأحمر ليصبح وجهة عالمية

المحرر

توقعات طقس الأسبوع بمحافظات مصر

أيمن مصطفى

الاتحاد الشبابي يفتح أبواب القيادة للشباب

المحرر

نقيب الصحفيين يُدين انتهاك خصوصية الفيشاوي في عزاء والدته

معرض القاهرة الدولي للكتاب.. عرس الثقافة وريادة الوعي

أيمن مصطفى

جنون الاسعار وصرخة مريض

المحرر