
لم يكن المهندس أيمن عطية غريباً عن كراسي الحكم المحلي حين وطأت قدماه ديوان عام الإسكندرية؛ فالرجل القادم من دهاليز “القليوبية” يُدرك جيداً كيف تُدار المحافظات الكبرى، ويجيد قراءة “خرائط” الأزمات قبل أن يراها بالعين المجردة. لكن الإسكندرية، كعادتها، لا تعترف بالخلفيات ولا تمنح حصانة لأحد؛ فهي مدينة “تأكل” محافظيها إذا لم يدركوا شفرتها الخاصة من اللحظة الأولى. وخلال العشرة أيام الماضية، بدت جولات المحافظ الجديد وكأنها “إعادة اكتشاف” لواقع لا يعرفه إلا من عاش في زحام “العصافرة” أو ضجيج “الموقف الجديد”، حيث تحرك الرجل بخبرة السنين، تنقل بين المستشفيات والمواقف، وأصدر توجيهاته بلهجة الواثق، بينما كانت العيون تراقبه لتسأل: هل تكفي “خبرة القليوبية” لترويض “تمرد” الإسكندرية؟
الحكاية بدأت من جولاته الميدانية التي لم تكن تخلو من صرامة المهندس، لكنها اصطدمت بجهاز تنفيذي “متمرس” في فن امتصاص غضب المحافظين، فبينما رآه الناس في “الكيلو 21” يستمع لوعود التغيير، كان الواقع على الأسفلت يغرق في الزحام والقمامة بمجرد مغادرة موكبه؛ فالتحدي الحقيقي الذي يواجه المحافظ اليوم ليس في عدد الكيلومترات التي تقطعها سيارته، بل في تلك “الفجوة” التي تتسع يوماً بعد يوم بين قرارات الديوان وتكاسل الأحياء؛ فالإسكندرية لا تدار بـ”المسكنات”، والرهان الآن على قدرة هذا “الخبير” في تحطيم جدران التقارير الوردية التي اعتاد مرؤوسوه رفعها، والنزول إلى عمق الأزمات التي باتت تُهدد هوية “عروس البحر“.
انتهت “فترة الإحماء” في ملعب شديد الوعورة، والشارع السكندري بذكائه الفطري لن يرضى بأقل من “ثورة إدارية” تعيد الانضباط للميادين، وتجعل من جولات المحافظ “زلزالاً” يقتلع جذور الفشل المزمن؛ فالحكاية في الإسكندرية لا تُقاس بالبدايات المنظمة، بل بالنتائج التي تلمس يد المواطن البسيط في أزقة “باكوس” وخلف أسوار “المنشية“؛ إذ إنها لحظة الحقيقة للمهندس أيمن عطية؛ فإما أن يكتب فصلاً جديداً من الإنجاز يكسر به روتين “النوّات” الإدارية، أو يكتفي بلقطات تذكارية في أرشيف المحافظين الذين مروا من هنا.. والكلمة الأخيرة سيكتبها الشارع، لا أوراق المكاتب.

شلل المواصلات
بينما يسكن الهدوء محطات “ترام النصر” المهجورة بانتظار التطوير، وتصمت قضبان القطار العجوز لتفسح المجال لمترو الإسكندرية الموعود، تعيش المدينة قصة “عزلة قهرية” وسط زحام مروري لا يرحم؛ حيث لم يعد الانتقال من “أبو قير” إلى “محطة الرمل” مجرد رحلة عادية، بل صار رحلة عذاب يومية في “ميكروباصات” تفرض سطوتها وتسعيرتها الجبرية على المواطن الذي ضاقت به السبل. ففي كل جولة للمحافظ، يرى الشوارع الرئيسية، لكنه قد لا يسمع صرخات الآلاف العالقين في “عنق الزجاجة”، حيث توقفت شرايين النقل العام وبقي البديل “فوضى” عارمة تلتهم الوقت والأعصاب بانتظار حلم المترو الذي لا يزال في علم الغيب.
احتلال الأرصفة
أما الأسواق العشوائية، فهي “الدولة الموازية” التي فرضت قانونها الخاص على ميادين الإسكندرية العريقة؛ حيث لم تعد الأسواق مجرد أماكن للبيع والشراء، بل تحولت إلى “بؤر” لاختناق المارة وضياع هيبة الطريق. ففي “المنشية” و”محطة الرمل” و”ميامي” والعصافرة“، تلاشت ملامح العراقة خلف “فراشات” الباعة وتلال البضائع التي تلتهم الأرصفة ونهر الطريق، لتقف جولات المحافظ عاجزة أمام “لوبي” العشوائية الذي ينسحب في ثوانٍ أمام الكاميرات، ليعود ويحتل المشهد بمجرد انطلاق صفارة رحيل الموكب.

جمهورية التوكتوك
وإذا كان الزحام قدراً، فإن “التوكتوك” صار كابوساً يطارد السكندريين في كل زقاق وحارة، بل وامتدت يده لتعبث بوقار الشوارع الرئيسية؛ فلم يعد “التوكتوك” في الإسكندرية مجرد وسيلة نقل، بل تحول إلى “دولة داخل الدولة” تقاد بصغار السن والمستهترين، وتفرض قانون الغاب على المارة والسيارات على حد سواء. ففي شوارع “باكوس” و”غبريال” و”سيدي بشر” و”العصافرة القبلية”، تلاشت ملامح الطريق خلف أسراب “التكاتك” التي تسير عكس الاتجاه وتغلق الميادين بمكبرات صوتها الصاخبة، لتقف حملات “المصادرة” الموسمية عاجزة أمام طوفان بشري لا يعترف برخصة أو انضباط؛ إذ إن استعادة هيبة الإسكندرية تبدأ من كسر شوكة هذا “السرطان” المروري الذي استباح الأرصفة وحول الثغر إلى “قرية كبيرة” تعيش خارج حدود الزمن والقانون، فالمواطن السكندري بانتظار قرار “جراحي” يستأصل الفوضى من جذورها ولا يكتفي بلقطات “التحفظ” العابرة.
منظومة النظافة
وإذا انتقلنا إلى ملف النظافة، ستجد أن جولات المحافظ لم تعبر بعد “الخط الفاصل” بين الواجهة السياحية والواقع المرير في أحياء الإسكندرية المنسية. ففي شوارع “45 قبلي” و”سيدي بشر”، وتحت وطأة الزحام في “الظاهرية” و”باكوس”، وصولاً إلى “ونجت” و”غبريال”، تحولت الأرصفة إلى “مناور” مفتوحة للقمامة التي باتت تطارد السكان أمام أبواب منازلهم، حيث إن المشهد في هذه المناطق يروي قصة “فشل مزمن” لشركة النظافة وتراخٍ فاضح من رؤساء الأحياء؛ حيث تتراكم التلال لتخنق المارة وتزاحم السيارات، في غياب تام لآليات الجمع المنزلي المنتظم؛ فالمواطن في “ونجت” و”غبريال” لا يعنيه لون الرخام في الديوان، بل ينتظر اليوم الذي ترفع فيه “اللوادر” جبال القمامة من شوارعه الجانبية، ليعود للإسكندرية وجهها الذي غاب خلف غبار الإهمال وروائح الفشل التراكمي.

حُفر الإهمال
وإذا تركنا البحر والزحام، سنجد حكاية أخرى في أحشاء المدينة؛ حيث شوارع مناطق “المنتزه القبلية” و”سيدي بشر” و”العصافرة القبلية” تحولت إلى “فخاخ” من الحفر والتكسير. هنا، تغيب “المسطرة” الهندسية وتحضر العشوائية؛ فلا أسفلت يمهد الطريق، ولا أرصفة تحمي المارة. إنها “المناطق المحرمة” التي لم تصلها جولات التجميل، حيث يعاني السكندريون من إرث ثقيل من إهمال المرافق وتبعات الحفر التي تترك الشارع “جثة هامدة” لشهور، بانتظار قرار لا يكتفي بالنظر للواجهة، بل يغوص في طين الشوارع الجانبية المنسية.
سيمفونية مكبرات الصوت
وفي ختام المشهد السريالي، تأتي قصة “الباعة الجائلين” ومكبرات الصوت التي لا تغيب عن شمس أو ليل الإسكندرية؛ حيث لم يعد للمواطن السكندري حق في “الصمت” داخل منزله؛ فميكروفونات الباعة الجائلين تخترق النوافذ والسكينة في غزو سمعي لا يتوقف؛ إذ إنها أزمة تتجاوز “لقمة العيش” لتصل إلى حد الفوضى الأخلاقية والقانونية في الشارع، حيث يتحول كل “تروسيكل” إلى إذاعة متنقلة تزعج المرضى والطلاب والنائمين، بانتظار “قرار سيادي” يعيد للشارع هدوءه، وللمدينة وقارها الذي ضاع في صخب “الميكروفونات”.
