
ليست كل القرى تُعرَف بموقعها الجغرافي، فبعضها حُفر اسمه في الذاكرة بحرفة، وصُنعت هويته بأيدي أبنائه. «كفر الحصر» واحدة من تلك القرى التي لم يكن اسمها مجرد لافتة، بل شهادة على مهنة كانت يومًا نبض الحياة داخل البيوت. هنا، كان الحصير أكثر من منتج، كان لغة عمل مشتركة، ووسيلة عيش، وملمحًا أساسيًا من ملامح المكان.
اليوم، تقف القرية أمام حكاية مختلفة؛ حرفة تتوارى، وأيدٍ قليلة تصر على التمسك بها، في محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من تراث يوشك أن يتحول إلى ذكرى.
جولة في قرية فقدت مهنتها
خلال جولة ميدانية داخل القرية لـ «صوت البلد»، بحثنا عن صُنّاع الحصير، فكانت المفاجأة أن عددهم لا يتجاوز شخصًا أو اثنين فقط، بعدما كانت الحرفة سائدة في كل بيت.
وتقودنا الأسئلة إلى الحاج محمود إبراهيم رمضان، الذي يُجمع الأهالي على كونه أقدم وأشهر صانع حصير لا يزال يمارس المهنة حتى اليوم.

ورشة بسيطة.. وذاكرة طويلة
داخل ورشة متواضعة في دور أرضي، تتكدس الحُصر المُصنّعة، وبجوارها الخيوط ونبات السمار وأدوات العمل القديمة. المكان بسيط، لكنه يحمل تاريخًا طويلاً من التعب والمهارة المتوارثة.
وبلهجة هادئة، بدأ الحاج محمود في شرح تفاصيل الحرفة التي تعلمها صغيرًا، وما زال يتمسك بها رغم قسوة الظروف.
«السمار».. بداية الحكاية
يؤكد الحاج محمود أن الخطوة الأولى في صناعة الحصير تبدأ بإحضار نبات «السمار»، وهو نبات يُباع بالكيلو، ويصل سعر الكيلو الواحد إلى نحو 12 جنيهًا.
ويتم جلب السمار من محافظات بورسعيد والإسماعيلية والفيوم، وهو المادة الأساسية التي تقوم عليها صناعة الحصير بالكامل.

الغربلة والهز.. فرز قبل العمل
بعد إحضار السمار، تبدأ مرحلة الهز والغربلة، حيث يتم تقسيمه حسب الطول، وربطه في حزم متقاربة المقاسات، والتي تختلف حسب طلبات الزبائن.
وتعد هذه المرحلة ضرورية لضمان انتظام شكل الحصيرة وجودتها.
البلّ بالماء.. استعداد للتشكيل
في هذه المرحلة، يُوضع السمار في المياه لمدة ربع ساعة تقريبًا، ليصبح أكثر مرونة وجاهزية للتشكيل، ثم يتم إخراجه وتركه لفترة قصيرة قبل بدء العمل الفعلي.

شدّ الخيط.. البداية الحقيقية
هنا تبدأ الصناعة فعليًا، حيث يتم شدّ الخيط على «المقص» المخصص لتصنيع الحصير، مع تحديد المقاسات المطلوبة بدقة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، حسب احتياجات المشتري.
التدكيك.. عود وراء عود
تُعد هذه المرحلة هي القلب النابض للمهنة، حيث يتم إدخال عيدان السمار بين الخيوط، واحدة تلو الأخرى، بطريقة متداخلة ومنظمة، حتى تكتمل الحصيرة بالكامل.
عملية تحتاج إلى صبر وخبرة، ولا تحتمل الخطأ.
الرسومات الأخيرة.. بصمة لا تُمحى
في المرحلة الأخيرة، تُضاف الرسومات والزخارف داخل نسيج الحصيرة، وهي نقوش لا يمكن إزالتها إلا بتقطيع الحصير نفسه، ما يمنح كل قطعة طابعًا فريدًا.
صرخة صانع.. ومطالب غائبة
وفي ختام حديثه، وجّه الحاج محمود إبراهيم نداءً للمسئولين، مطالبًا بالنظر إلى أوضاع صُنّاع الحصير، الذين لا يتمتعون بأي مظلة تأمينية أو مزايا اجتماعية، رغم اعتماد أسر كاملة على هذه الحرفة.
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف الإقبال على الشراء، دفع الكثير من الصناع إلى هجر المهنة والبحث عن أعمال بديلة، مهددًا بزوال صناعة ارتبطت باسم قرية كاملة.
تراث على حافة الاندثار
تبقى «كفر الحصر» نموذجًا حيًا لقرى مصر التي فقدت حرفها التقليدية، ومعها جزءًا من هويتها. وبين ورشة بسيطة وصانع وحيد، تتجسد معركة البقاء بين تراث عريق ومتغيرات لا ترحم، في انتظار من يعيد للحصير مكانته قبل أن يصبح مجرد ذكرى.
