
تُعد ظاهرة “السحر” من أقدم الظواهر التي عرفتها البشرية عبر تاريخها الطويل، وهي موضوع شائك يتقاطع فيه الدين بالفلسفة، والواقع بالخيال، والأنثروبولوجيا بالأسطورة، ففي هذا التقرير، سنغوص في أعماق هذا المفهوم، مستعرضين أصوله التاريخية، نظرة الأديان إليه، وحقيقته في ميزان العقل والشرع.
لا يقتصر الاعتقاد في السحر في مصر على الطبقات الفقيرة أو غير المتعلمة كما يشاع، بل يتسلل إلى أروقة الكومباوندات والمجتمعات المخملية، ولكن بشكل مختلف؛ فبينما يبحث الفقير عن “فك النحس” لجلب الرزق، يبحث البعض في الطبقات الغنية عن السحر كأداة لـ”السيطرة” أو الانتقام وتدمير المنافسين في العمل أو التجارة أو العلاقات العاطفية؛ فهذا التواجد العابر للطبقات يؤكد أن الخوف من المجهول والرغبة في امتلاك القوة هو قاسم مشترك بين جميع فئات المجتمع المصري، مهما اختلفت درجات التعليم أو الثراء.
ظاهرة “نبش المقابر”
شهدت السنوات الأخيرة في مصر، حملات شبابية منظمة لتنظيف المقابر من “الأعمال” والسحر، ورغم نبل المقصد في محاربة الدجل، إلا أن هذه الظاهرة عكست وجهاً اجتماعياً مرعباً؛ حيث كشفت عن حجم “الغل” الاجتماعي المدفون تحت التراب، من صور لعرائس ممزقة، وأقمشة ملطخة، وكتابات بالكره والقطيعة. هذه الحملات أصبحت “تريند” على منصات التواصل، مما حول قضية السحر من سرّ يخشاه الناس إلى مادة للمشاهدة والجدل العام، وزاد من حالة “البارانويا” الجماعية والشك في الآخر.

يمكن أن يؤثر الاعتقاد في السحر بشكل كبير على ديناميكيات العلاقات داخل الأسرة والمجتمع؛ فقد يلجأ بعض الأفراد إلى تفسير المشكلات والصعوبات اليومية على أنها نتيجة للسحر، مما قد يؤدي إلى الشك وعدم الثقة بين الأفراد، ففي بعض الحالات، يمكن أن يتسبب هذا الاعتقاد في توتر العلاقات الزوجية والأسرية، حيث قد يتهم أحد الطرفين الآخر باللجوء إلى السحر لإلحاق الضرر. علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي الاعتقاد في السحر إلى وصم بعض الأفراد أو العائلات، مما يجعلهم عرضة للإقصاء الاجتماعي.
السحر في الثقافة الشعبية والسينما
لا يمكن إغفال أثر السحر في الأدب والسينما، مثل سلسلة هاري بوتر أو سيد الخواتم، هنا، تحول السحر من مفهوم ديني أو غيبي إلى “فانتازيا” أدبية تعبر عن رغبة الإنسان في امتلاك القوة والسيطرة على القدر؛ فمن المهم التفريق بين هذا النوع من الترفيه وبين الممارسات الواقعية التي قد تضر بالمجتمع.
العصر الرقمي
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر نوع جديد من “السحرة الرقميين” الذين يستغلون الخوارزميات للوصول إلى اليائسين والمحبطين. هؤلاء يروجون لخدمات “جلب الحبيب” أو “فك السحر” عبر الإنترنت مقابل مبالغ طائلة، حيث إن التوعية هنا تصبح واجباً وطنياً وعلمياً، لحماية عقول الشباب من الانزلاق في متاهات الخرافة التي تعطل التفكير العلمي والعملي.
تعريف السحر
السحر هو كل ما لطف مأخذه وخفي سببه، وهو في الاصطلاح صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره؛ فتاريخياً، لم تخلُ حضارة من الحضارات القديمة من ممارسات سحرية؛ فمنذ فجر التاريخ في بلاد الرافدين ومصر القديمة، كان السحر يُمارس كجزء من الطقوس الدينية أو كوسيلة للسيطرة على الطبيعة أو جلب الحظ ودفع الضر.
في مصر القديمة، كان “هيكا” هو إله السحر، وكان السحر يُعتبر قوة كونية يمكن للكهنة استخدامها لحماية الملك أو الدولة. أما في بابل، فقد ارتبط السحر بعلم التنجيم ورصد النجوم. ومع مرور العصور، انتقلت هذه الممارسات وتطورت، لتتخذ أشكالاً مختلفة في العصور الوسطى الأوروبية وما رافقها من “مطاردة الساحرات”، وصولاً إلى عصرنا الحديث حيث اختلطت المفاهيم بين السحر كخداع بصري (خفة يد) وبين المعتقدات الروحانية.
يعتبر الإسلام السحر حقيقة واقعة وليس مجرد خيال، لكنه يضعه في إطار المحرمات الكبرى والكبائر الموبقة، حيث ورد ذكر السحر في القرآن الكريم في عدة مواضع، لعل أبرزها قصة ملكي بابل “هاروت وماروت” في سورة البقرة، حيث يقول الله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}.
اتفق علماء المسلمين على حرمة تعلم السحر أو تعليمه أو ممارسته. واعتبره النبي محمد ﷺ من “الموبقات السبع” (أي المهلكات)، والسبب في هذا التحريم القاطع هو أن السحر يقوم في جوهره على الاستعانة بغير الله (من الجن والشياطين)، وهو ما يقدح في عقيدة التوحيد.
ومن أنواع السحر في التصور الديني؛ “سحر التخييل” وهو أن يرى الإنسان الشيء على غير حقيقته، كما حدث مع سحرة فرعون الذين خُيل للناس أن حبالهم وعصيهم تسعى. كما أن هناك “سحر التأثير”، وهو الذي يُزعم أنه يؤثر في الأبدان والقلوب، فيسبب مرضاً أو يفرق بين المرء وزوجه.
السيكولوجيا والظواهر المفسرة للسحر
في علم النفس الحديث، يُفسر جزء كبير مما يُسمى بالسحر من خلال “الإيحاء” أو “التأثير النفسي”؛ فالعقل البشري يمتلك قدرة هائلة على تجسيد المخاوف؛ فإذا اعتقد شخص يقيناً أنه “مسحور”، فقد تظهر عليه أعراض جسدية ونفسية حقيقية نتيجة التوتر الشديد والقلق، وهو ما يُعرف في الطب بـ”الأعراض النفسية الجسدية” (Psychosomatic).

كما أن الكثير من “السحرة” و”الدجالين” يعتمدون على فنون التواصل، وقراءة لغة الجسد، واستغلال نقاط الضعف الإنسانية، مثل الأمل في الشفاء أو الرغبة في الثراء؛ لإقناع الضحية بامتلاكهم قوى خارقة، بينما هم في الواقع يمارسون تكتيكات نفسية معقدة.
كيف يفرق العقل بين السحر والخرافة؟
في عصرنا الحديث؛ ومع التطور الهائل في العلوم، أصبح من الضروري التمييز بين ما هو غيبي (ثابت بالنص الديني) وبين الدجل التجاري؛ فالعلم لا يعترف بالسحر كمادة مختبرية لأنه لا يخضع لقوانين التكرار والقياس، لكنه يعترف بوجود قوى غير مكتشفة في العقل البشري وفي الكون.
ويجب على الإنسان الواعي ألا يسقط كل فشل في حياته أو تعثر صحي على “شماعة السحر”؛ فكثير من حالات “المس” أو “السحر” المزعومة تبين بالتشخيص العلمي الحديث أنها اضطرابات نفسية مثل “الفصام” أو “الاضطراب ثنائي القطب” أو “الصرع”، والتي تتطلب علاجاً طبياً متخصصاً بجانب الرقية الشرعية الصحيحة التي لا تخالف العلم.
الوقاية والعلاج
لقد قدم الفكر الإسلامي المتوازن منهجاً للوقاية والعلاج يعتمد على “التحصين الذاتي” دون الوقوع في فخ الوسواس القهري؛ فالمحافظة على الأذكار، وقراءة القرآن (خاصة سورة البقرة والمعوذات)، وتقوية الصلة بالله، حيث إن الإنسان المؤمن يعتقد أن النفع والضر بيد الله وحده، مع التأكيد على عدم الذهاب للمشعوذين والعرافين، لأن ذلك يزيد من تعقيد المشكلة النفسية ويؤدي إلى استنزاف مالي وابتزاز أخلاقي، إذ يجب اللجوء للطب الحديث عند الشعور بأعراض جسدية، فالتداوي سنة نبوية.
إن السحر، كظاهرة، سيبقى جزءاً من الجدل البشري ما دام هناك غيب مجهول وخوف من المستقبل. ولكن، يبقى الإيمان الواعي، والعقل المستنير، هما الدرع الحقيقي للإنسان، حيث إن حقيقة السحر تكمن في قدرته على التأثير في النفوس الضعيفة، وعلاجه يكمن في “اليقين”؛ اليقين بأن هذا الكون محكوم بخالق عظيم وقوانين سنّها الله، وأن الإنسان مُطالب بالعمل والأخذ بالأسباب، معتصماً بحبل الله بعيداً عن أوهام الدجالين وخزعبلات المشعوذين. ومن هذا المنطلق، نؤكد أن مواجهة السحر لا تكون بالخوف منه، بل بفهمه ووضعه في حجمه الطبيعي كابتلاء أو ظاهرة خفية، ومواجهته بالعلم والإيمان والعمل الصالح.
