
في خطوة وصفتها الأوساط الاقتصادية بأنها “قراءة هادئة لمشهد متقلب”، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، في ثاني اجتماعاتها لعام 2026، الإبقاء على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند مستوياتها الحالية 19% و20% على الترتيب. وبين سندان كبح التضخم ومطرقة دفع عجلة الاستثمار، اختار “المركزي” السير على حبل التوازن الدقيق؛ وهو ما دفعنا في “صوت البلد” لاستنطاق آراء نخبة من كبار الخبراء والمحللين لفك شفرات هذا التثبيت ودلالاته الاستراتيجية.
قالت الخبيرة الاقتصادية د. حنان رمسيس لـ”صوت البلد” بأن: القرار الأخير الذي اتخذه البنك المركزي المصري بتثبيت أسعار الفائدة يُعد الإجراء الأمثل والأكثر صواباً في المرحلة الراهنة؛ نظراً لعدم ملاءمة خيار الرفع الذي من شأنه زيادة تكلفة الديون داخلياً وخارجياً بشكل لافت.
وأوضحت د. “رمسيس” أن معدلات التضخم العالمية مرشحة للاستمرار في الارتفاع المتوالي؛ نتيجة تأثر سلاسل الإمداد بالقفزات السعرية للنفط عالمياً، مؤكدة أن ارتفاع أسعار الطاقة يلقي بظلاله مباشرة على ملفات سلة الغذاء والنقل العالمية، وهو ما يُبقي معدلات التضخم في حالة تصاعد مستمر مدفوعة بالصراعات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة.
وفي قراءتها للمشهد الدولي، أشارت إلى أن بعض الدول قد تضطر لرفع أسعار الفائدة لحماية عملاتها المحلية من الانخفاض أمام سلة العملات العالمية، إلا أن هذا الخيار في الحالة المصرية يبقى غير محبذ؛ نظراً لضغوط عجز الموازنة. وأضافت أن أي تحريك صعودي للفائدة سيؤثر سلباً على اقتصاديات الدولة وقيمة العملة المحلية مقابل الدولار، كما سيعمق عجز الموازنة العامة، مما قد يؤدي لارتفاع التضخم حال استمرار توترات الشرق الأوسط.

وشددت على أن ارتفاع تكلفة الدين يكبّد الدولة أعباءً باهظة، وهو ما دفع “المركزي” للجوء لسياسة التثبيت، في انتظار ما سيسفر عنه توجه الفيدرالي الأمريكي في الفترة المقبلة عقب سياساته التشددية لحماية الدولار. وتوقعت د. “رمسيس” أن يلجأ البنك المركزي المصري لتبني سياسات مالية موازية، من بينها تحريك سعر صرف الجنيه مقابل الدولار.
واختتمت توقعاتها المستقبلية قائلة: “كلما ارتفع معدل التضخم، سيميل البنك المركزي نحو التثبيت وليس الرفع. أما في حال نجاح الحكومة في خفض معدلات التضخم على أساس شهري، فسيؤدي ذلك حتماً للجوء لخفض أسعار الفائدة؛ لما في ذلك من توفير ملموس لتكلفة الدين العام وتقليص لعجز الموازنة العامة للدولة”.
تحصين الاقتصاد
وفي تصريحات خاصة لـ”صوت البلد”؛ قال د. عمرو يوسف، أستاذ الاقتصاد والتشريعات المالية والخبير الاقتصادي، إن البنك المركزي المصري خاض خلال الأشهر الماضية معركة شرسة لكبح جماح التضخم العالمي والمحلي، مؤكداً أن المعركة لم تقتصر على أداة “سعر الفائدة” فحسب، بل امتدت لتشمل أدوات نقدية متنوعة؛ كعمليات سحب السيولة الفائضة من القطاع المصرفي عبر “عمليات السوق المفتوحة”، في إطار سياسة انكماشية تهدف لتجفيف منابع السيولة الزائدة وتقليل الضغط على الأسعار.
ويُحلل د. “يوسف” مشهد ما بعد اجتماع لجنة السياسة النقدية الأخير، موضحاً أن قرار التثبيت يحمل رسائل استراتيجية قوية، أبرزها: طبيعة التضخم، موضحاً2 أن التضخم الحالي “مدفوع بالعرض” نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالمياً فوق مستوى 110 دولاراً، وتصاعد تكاليف الشحن بسبب توترات مضيق هرمز والبحر الأحمر، وليس “مدفوعاً بالطلب”؛ مما يجعل رفع الفائدة أداة غير فعالة لمواجهة صدمات خارجية المنشأ، وذلك بالإضافة إلى جاذبية الاستثمار، والمتمثلة في الحفاظ على استقرار استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلي، وضمان عدم خروج “الأموال الساخنة” وسط اليقين الجيوسياسي، لافتاً في الوقت ذاته إلى أهمية دعم الموازنة العامة للدولة من خلال تجنب زيادة أعباء خدمة الدين العام لتوفير سيولة نقدية تدعم القطاعات الإنتاجية.

وحول مسار التضخم، يتوقع د. “يوسف” مواجهة تحديات صعودية حادة في 2026، مشيراً إلى أن أثر التثبيت سيؤدي لـ”استقرار حذر” في الأسعار، لكنه قد لا يفلح في خفضها سريعاً مع استمرار الضغوط الخارجية. وأضاف أن مستهدفات البنك المركزي (الوصول بالتضخم لـ ± 2 نقطة مئوية بحلول الربع الأخير من 2026) باتت “عرضة للمخاطر” بسبب استطالة أمد الصراعات الإقليمية.
ويتوقع الخبير الاقتصادي أن تظل سياسة (Wait-and-See) هي العنوان الأبرز لاجتماعات النصف الأول من 2026، مدفوعةً بخفض توقعات نمو الناتج المحلي إلى 4.9%، ومراقبة وتيرة التيسير النقدي في البنوك العالمية.
واختتم د. عمرو يوسف تحليله قائلاً: “البنك المركزي ليس في حالة جمود، بل في حالة تحصين للاقتصاد؛ فهو يستخدم التثبيت كدرع لحماية النمو، بانتظار انقشاع ضباب التوترات، مع إبقاء كافة الأدوات جاهزة للتدخل عند الضرورة”.
ومن جانبه، يرى د. إسلام جمال الدين، خبير الاقتصاد ومحلل أسواق المال وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن قرار لجنة السياسة النقدية بتثبيت أسعار العائد يحمل رسالة صريحة برغبة البنك المركزي في “تعليق” دورة التيسير النقدي مؤقتاً دون إنهائها. وأوضح أن اعتماد نهج “الانتظار والترقب” يعني إبقاء الباب مفتوحاً لخفض الفائدة لاحقاً، شريطة وضوح مسار التضخم، مؤكداً أن هذا التحول يعكس حجم المفاجآت التي فرضتها التوترات الجيوسياسية في المنطقة على حسابات “المركزي.
ويُحلل د. جمال الدين دلالات التثبيت عبر ثلاث رسائل وجهها البنك المركزي للأسواق: الأولى (إدراك المخاطر)، وذلك من خلال اعتراف غير مباشر بحدة التطورات العالمية وصدمات الطاقة، وتأكيد على التعامل بجدية مع التغيرات التي طرأت منذ اجتماع فبراير الماضي. والثانية (أولوية استقرار الأسعار): اختيار كبح التضخم على حساب تحفيز النمو (المتوقع بـ4.9%)؛ وهي أولوية واضحة بأنه لا تيسير نقدي قبل الاطمئنان لعودة التضخم لمساره النزولي.
ويتابع د. إسلام جمال الدين تحليله لرسائل البنك المركزي، مشيراً إلى “الرسالة الثالثة” التي تضمنها قرار التثبيت، وهي الجاهزية للتحرك في كافة الاتجاهات؛ حيث تحمل عبارة “لن نتردد في استخدام الأدوات المتاحة” تهديداً ضمنياً بالرفع ووعداً بالخفض، بما يضمن عدم حصر السياسة النقدية في مسار واحد وسط حالة عدم اليقين.

وعن تأثير القرار على مستويات التضخم، يفرق د. إسلام جمال بين مستويين زمنيين: أولهما المدى القصير (3-6 أشهر)، حيث يرى أن التثبيت عند 19% لن يخفض التضخم وحده؛ كون المعدل الحالي (13.4%) مدفوعاً بصدمات خارجية (طاقة ـ شحن) وعوامل موسمية (رسوم دراسية ـ خضروات) لا تستجيب لآلة “سعر الفائدة”. لذا، فقد يتذبذب التضخم بين 12% و14% في الأشهر القريبة.
وأضاف د. إسلام جمال: المدى المتوسط (9-12 شهراً): يؤكد أن الإبقاء على الفائدة مرتفعة يرسخ التوقعات الإيجابية ويمنع تحول الصدمات المؤقتة إلى “تضخم هيكلي”. مشيراً إلى أن وجود “فائدة حقيقية موجبة” بنحو (+5.6%) يجعل الادخار بالعملة المحلية جاذباً ويحد من الطلب المحلي، وهو ما يمهد لعودة التضخم لمساره النزولي بمجرد استقرار الظروف الخارجية.
“بوصلة” الفائدة
ويختتم د. إسلام جمال الدين رؤيته التحليلية باستشراف المستقبل، مؤكداً أن استمرار سياسة “الانتظار والترقب” في الاجتماعات المقبلة لعام 2026 يتوقف على ثلاثة متغيرات حاسمة هي: أسعار الطاقة العالمية، حيث إن أي تراجع للنفط لمستويات (75-80 دولاراً) قد يفتح باب التيسير، بينما بقاؤه فوق الـ 90 دولاراً سيُبقي “المركزي” في حالة ترقب. بالإضافة إلى مسار التضخم الأساسي، والمتمثل في الرقابة اللصيقة للوتيرة الشهرية (الأقل تقلباً) وهي التي ستعطي الدلالة الإيجابية للتحرك مستقبلاً. فضلاً عن أهمية متابعة سوق الصرف وتدفقات الأجانب، للحفاظ على جاذبية أدوات الدين للأجانب. كما يرى د. “شوقي” أن النافذة الأقرب لأي تخفيض محتمل قد تكون في النصف الثاني من 2026 (سبتمبر أو نوفمبر)، بشرط استقرار أسواق الطاقة وتراجع حدة التوترات الجيوسياسية. ووصف الفائدة الحقيقية المرتفعة (+5.6%) بأنها “مقامرة محسوبة”؛ فبينما تنجح في كبح التضخم، إلا أنها تزيد من تكلفة الاقتراض على الاقتصاد الحقيقي، محذراً من أن النافذة الزمنية لهذه السياسة ليست مفتوحة إلى أجل غير مسمى، حيث يظل السؤال معلقاً: “كم شهراً يمكن أن تستمر مرحلة الانتظار؟”؛ وهي إجابة رهينة بتطورات المنطقة وتدفقات رأس المال العالمية.
رسائل طمأنة
من جانبه، يرى الكاتب الصحفي والخبير الاقتصادي أبو بكر الديب، أن قرار لجنة السياسة النقدية بالإبقاء على أسعار الفائدة (19% للإيداع و20% للإقراض) يعكس رؤية استراتيجية متوازنة وحكيمة، تستجيب لتقلبات الظروف الاقتصادية المعقدة محلياً وإقليمياً ودولياً. وأكد “الديب” أن القرار ليس مجرد استمرار لتماسك السياسة النقدية، بل هو مؤشر قاطع على قدرة “المركزي” على توجيه الرسائل الصحيحة للمستثمرين في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى “ثبات التوقعات”.

ويُحلل “الديب” دلالة التثبيت مؤكداً أن البنك المركزي يضع “الاستقرار النقدي وسلامة التوقعات السعرية” كأولوية قصوى. وأوضح أن اختيار نهج “الانتظار والترقب” رغم الضغوط التضخمية الصاعدة، يعكس حرصاً شديداً على حماية أصحاب الأعمال من دوامة التغيرات المضطردة ومخاطر عدم اليقين الناتجة عن التوترات الجيوسياسية الراهنة.
ويضيف الخبير الاقتصادي أبو بكر الديب، أن نهج “الانتظار والترقب” الذي اتبعه البنك المركزي يبعث برسالة طمأنة للأسواق بأن “المركزي” لا يتسرع في تعديل الفائدة أمام العوامل الخارجية، بل يتعامل بحذر ومرونة. وأشار “الديب” إلى أن تثبيت الفائدة رغم صعود التضخم السنوي إلى 13.4% في فبراير 2026، يعكس ثقة البنك في قدرة أدواته على احتواء الضغوط دون تدخل نقدي عنيف قد يحد من النمو، معتبراً التضخم الراهن “تقلبات خارجية مؤقتة.
ويرى “الديب” أن استمرار هذا النهج الحذر يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، متوقعاً استمرار سياسة الترقب خلال اجتماعات 2026، مع إمكانية العودة لتعديل الفائدة تدريجياً حال تراجع التضخم بوتيرة مستدامة خلال الربعين الثاني والثالث. واختتم رؤيته قائلاً: “القرار يظهر مستوى متقدماً من النضج؛ فالبنك المركزي المصري أثبت امتلاكه أدوات قوية لإدارة الاقتصاد في الأوقات الصعبة، بعيداً عن التغييرات المفاجئة التي قد تزعزع الاستقرار الذي تحقق بشق الأنفس”.
