
في الوقت الذي يتسابق فيه العالم نحو آفاق تكنولوجية مذهلة مع مطلع عام 2026، تبرز على السطح أزمة اجتماعية صامتة، لكنها تضرب في عمق النسيج الإنساني. إنها “الوكسة الأبوية”؛ المصطلح الذي بات يصف حالة الانكسار النفسي التي يعيشها الآباء عندما يجدون أن رهانهم على أبنائهم قد خسر، وأن الأمل الذي زرعوه طوال عقود لم يحصدوا منه سوى الجحود أو الضياع.
انكسار الرهان الأخير
لسنوات طويلة، كان المجتمع ينظر إلى الأبناء باعتبارهم “مشروع العمر” و”سند الشيخوخة”. لكن المعطيات الحديثة تشير إلى فجوة آخذة في الاتساع؛ حيث يجد الكثير من الآباء أنفسهم اليوم أمام أبناء يفتقرون للحس بالمسؤولية، أو غارقين في فردية مفرطة عززتها ثقافة “الاستهلاك السريع” والعالم الافتراضي. هذه “الوكسة” لا تتعلق بالفقر أو الغنى، بل هي أزمة قيمية بالدرجة الأولى، حيث يشعر الأب بأنه بات غريباً في منزله، ومهمشاً في حياة من منحهم حياته.
التدليل والسطحية
يرى خبراء الاجتماع أن هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمات عديدة، أبرزها الحماية الزائدة التي خلقت جيلاً لا يقوى على مواجهة تحديات الواقع، وينسحب عند أول عقبة ليحمل والديه مسؤولية فشله، إضافة إلى سطوة الرقمية التي استبدل فيها الأبناء دفء الروابط الأسرية ببرودة الشاشات.
إن أخطر ما تفرزه “الوكسة الأبوية” هو حالة “الاغتراب القيمي”، حيث ينشأ الأبناء على منظومة أخلاقية مستمدة من “المؤثرين” والعوالم الافتراضية، وهي منظومة غالباً ما تقدس “الأنا” وتهمش “النحن”. في هذه الحالة، يصبح الأب مجرد ممول لمطالب لا تنتهي، وتتحول الأم إلى مقدمة خدمات لوجستية، بينما يغيب الاحترام المتبادل ويحل محله نوع من “الندية الزائفة” التي تجرد الوالدين من هيبتهما الروحية والتربوية.
الهروب من استحقاق الوفاء
لقد رصدت التقارير الاجتماعية مؤخراً توجهاً مقلقاً لبعض الأبناء نحو التملص من المسؤولية تجاه الوالدين بحجج “تحقيق الذات” أو “الاستقلال المادي”، فهذا الهروب ليس مجرد استقلال مشروع، بل هو في جوهره تخلٍ طوعي عن أسمى الواجبات الإنسانية؛ فعندما يضيع الأمل في الابن، ليس لأنه فشل في الحصول على شهادة عليا، بل لأنه نجح في بناء جدار عازل بين طموحه وبين بر والديه، محولاً سنوات عطائهما إلى مجرد ذكريات مهملة في زوايا النسيان.
لا تتوقف آثار هذه الوكسة عند حدود الزعل العابر، بل تمتد لتصبح أزمة صحية ونفسية معقدة تصيب كبار السن؛ فالشعور بالخذلان من الأبناء يسرع من مظاهر الشيخوخة ويؤدي إلى حالات من الاكتئاب السريري والعزلة الاجتماعية؛ إذ إن الأب الذي يرى “ثمار كفاحه” تضيع في تفاهات الأمور أو في سلوكيات عاقة، يشعر بهزيمة وجودية لا يمكن لأي نجاح آخر في الحياة أن يجبر كسرها، وهو ما يهدد تماسك الأسرة كملجأ أخير للأمان النفسي.
تآكل “العقد الاجتماعي” للأسرة
إضافة إلى ما سبق، تعكس هذه الظاهرة تآكلاً مخيفاً في “العقد الاجتماعي المكتوم” الذي قامت عليه الأسر لقرون؛ ففي السابق، كانت تضحية الآباء تُقابل بامتنان تلقائي يُترجم إلى رعاية في الكبر، أما اليوم فقد تحول المنطق إلى “منطق الحقوق دون الواجبات”، فالأبناء يطالبون بالدعم المادي والمعنوي اللامتناهي كحق مكتسب، بينما يعتبرون أي تقصير تجاه الوالدين “حرية شخصية”، مما خلق حالة من الانكشاف المادي للآباء الذين استنزفوا مدخراتهم على أبناء لم يمنحوهم حتى كلمة شكر في خريف العمر.
فخ “المثالية الزائفة” والنجاح الصوري
من زاوية أخرى، تبرز “الوكسة” حين ينجح الأبناء مهنياً ومادياً لكنهم يسقطون إنسانياً، إذ نرى نماذج لشباب احتلوا أرقى المناصب، لكنهم وضعوا والديهم في “خانات النسيان” أو دور الرعاية، معتبرين أن نجاحهم هو مجهود فردي محض لا فضل فيه لتربية أو تضحية. هذا النوع من النجاح “الأجوف” هو قمة الوكسة الأبوية؛ حيث يجد الأب نفسه أمام “غريب ناجح” بدلاً من “ابن بار”، مما يجعل بريق النجاح المادي باهتاً أمام فجيعة الانكسار العاطفي.
لا يمكن إلقاء اللوم على الأبناء وحدهم، بل إن المؤسسات الثقافية والتعليمية مطالبة بإعادة صياغة “خطاب البر” ليتناسب مع لغة العصر، حيث يجب أن ننتقل من مرحلة الوعظ التقليدي إلى مرحلة بناء “الوعي بالمسؤولية التضامنية”؛ إذ إن مواجهة “الوكسة الأبوية” تبدأ بكسر حاجز الصمت، والاعتراف بأن هناك أزمة حقيقية في تواصل الأجيال، وبأن استعادة قيمة “الأسرة” هي الملاذ الوحيد لحماية المجتمع من شيخوخة موحشة وشباب تائه بلا جذور.
نحو ميثاق أخلاقي جديد
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مكاشفة صريحة؛ فلا يكفي أن نعلم الأبناء كيف ينجحون في دراستهم، بل يجب تعليمهم كيف “يكونون أبناءً”، حيث إننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم “المسؤولية التبادلية” داخل الأسرة؛ فالأبناء ليسوا مجرد متلقين للعطاء، بل هم شركاء في بناء الكيان الأسري واستمراره.
يبقى الأمل دائماً معقوداً على وعي الجيل الجديد، لكن “الوكسة الأبوية” تظل جرس إنذار يدق في بيوتنا؛ فضياع الأمل في الأبناء هو ضياع لأهم استثمار بشري على الإطلاق، وإذا لم نستعد توازن العلاقة بين الأجيال؛ فإننا نخاطر ببناء مستقبل بلا قلب، وماضٍ بلا كرامة.
