
في مشهد يعكس عمق التعقيد السياسي والأمني في سوريا، عادت الخلافات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» لتفرض نفسها مجددًا، مع انتهاء اجتماع رسمي عُقد في العاصمة السورية دون تحقيق أي اختراق أو تقدم حقيقي في مسار تنفيذ اتفاق العاشر من مارس 2025، الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، والذي كان يُعوَّل عليه لإنهاء حالة الازدواج الإداري والعسكري في شمال وشرق البلاد.
من دمشق، خرجت الاجتماعات بلا نتائج ملموسة، لتؤكد أن الاتفاق ما زال حبرًا على ورق، في ظل تباين جوهري في الرؤى بين الطرفين، خاصة فيما يتعلق بشكل الدولة السورية وآليات دمج المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة للإدارة الذاتية الكردية داخل بنية الدولة المركزية.
جوهر الخلاف
حول جوهر الخلاف، يتمحور النزاع الأساسي عند نقطة النظام السياسي، إذ ترفض الحكومة السورية بشكل قاطع أي صيغة لامركزية أو فيدرالية، معتبرة أن وحدة الدولة خط أحمر لا يقبل المساومة، بينما ترى قسد أن اللامركزية السياسية والإدارية تمثل ضمانة أساسية لحقوق المكونات المحلية، وشرطًا لا يمكن التراجع عنه لإنجاح أي عملية دمج حقيقية.
وفيما يخص الملف الأمني، برزت أزمة أكثر تعقيدا، حيث أصرت قسد على الاحتفاظ بخصوصية قواتها العسكرية والأمنية داخل وزارتي الدفاع والداخلية، مع رفض قاطع لانتشار قوات حكومية من خارج مناطق سيطرتها، معتبرة ذلك تهديدًا مباشرًا للاستقرار المحلي. بالمقابل، تمسكت دمشق بدمج عناصر قسد كأفراد فقط، مع بسط سيادة الدولة الكاملة عبر انتشار أجهزتها الأمنية والعسكرية في جميع المناطق.
وبحسب مصادر متابعة، شكلت هذه النقطة حجر العثرة الأكبر أمام تنفيذ الاتفاق، خاصة في ظل انعدام الثقة المتبادلة، وتراكم تجارب سابقة فشلت فيها تفاهمات مشابهة نتيجة غياب الضمانات التنفيذية الواضحة.
رؤية أمنية
من زاوية أمنية، يرى اللواء شبل عبد الجواد، رئيس الشرطة العسكرية سابقًا ورئيس هيئة مكافحة الإرهاب بالمنطقة العربية، أن الأزمة الحالية تعكس صراع إرادات أكثر منها خلافًا فنيًا. ويؤكد أن «دمج أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة لا يمكن أن يتم بنجاح دون عقيدة وطنية موحدة وسلسلة قيادة مركزية»، محذرًا من أن استمرار الوضع الراهن يفتح الباب أمام فراغات أمنية خطيرة قد تستغلها التنظيمات المتطرفة.
وعلى الصعيد السياسي، يوضح المهندس على عبدة، رئيس مجلس التعاون العربى للتنمية، أن الاتفاق كان فرصة تاريخية لإعادة توحيد الجغرافيا السورية، لكنه اصطدم بحسابات إقليمية ودولية معقدة. ويشير إلى أن «الدور الامريكى في دعم قسد ما زال عنصر ضغط مؤثر، في مقابل تمسك دمشق بدعم حلفائها، ما يجعل أي حل نهائي مرهونًا بتفاهمات أوسع من الداخل السوري».
وتزداد المخاوف مع استحضار التوترات الأمنية الأخيرة، خاصة الاشتباكات التي شهدتها مدينة حلب الشهر الماضي بين قسد والقوات الأمنية السورية، والتي أسفرت عن سقوط ضحايا من المدنيين، قبل أن تنتهي بوقف لإطلاق النار تحت ضغوط امريكية، في مؤشر واضح على هشاشة الوضع الميداني.
وعلى الرغم من الاتفاق على استمرار عمل اللجان المشتركة وعقد لقاءات لاحقة، إلا أن غياب جدول زمني واضح وآليات ملزمة للتنفيذ يثير شكوكًا واسعة حول جدية المسار التفاوضي، خصوصًا مع اقتراب مواعيد كان من المفترض أن تشهد تطبيقًا فعليًا لبنود الاتفاق.
سيطرة استراتيجية
وتسيطر قسد على مساحات استراتيجية واسعة تضم أهم حقول النفط والغاز في سوريا، ما يمنحها وزنًا تفاوضيًا كبيرًا، ويجعل أي تعثر في دمجها مصدر قلق إقليمي ودولي، في ظل مخاوف من عودة الفوضى أو تنشيط خلايا داعش النائمة.
هكذا، يبقى مستقبل الاتفاق معلقًا على قدرة الطرفين على تقديم تنازلات حقيقية، تتجاوز منطق كسب الوقت، وتضع مصلحة الدولة السورية واستقرار المدنيين في مقدمة الأولويات، قبل أن تتحول الخلافات السياسية إلى مواجهة جديدة يدفع ثمنها المواطن السوري وحده.
