سليدرمنوعات

د. جمال فرويز: شياطين ببدلات أنيقة .. سيكوباتيو 2026

في خضم التطورات الاجتماعية المتسارعة والتحولات الرقمية التي يشهدها مطلع عام 2026، باتت الأقنعة البشرية أكثر إتقاناً والنفوس أكثر تعقيداً؛ فلم يعد الخطر متمثلاً في المجرم التقليدي الذي نراه في شاشات السينما، بل في ذلك “الشيطان الناعم الذي يرتدي بدلة أنيقة أو يتحدث بلسان معسول في المحافل الاجتماعية.. ومن هنا، تبرز السيكوباتية لا كنمط من السلوك العدواني الفج، بل تصدع بنيوي في جوهر الضمير الإنساني؛ ففي عالمنا الرقمي، لم يعد “المفترس” يحتاج إلى سلاح، بل يكفيه خلل في المنظومة الأخلاقية ليتسلل عبر الثغرات الاجتماعية، محولاً الذكاء الاجتماعي إلى أداة تلاعب صامتة.

في هذا التقرير التحليلي العميق لجريدة صوت البلد، يستعرض د. جمال فرويز، استشاري الطب النفسي بالأكاديمية الطبية، “تشريحاً طبياً” لهذا الوباء النفسي الصامت، موضحاً كيف يولد هؤلاء الوحوش من رحم التفكك والتدليل، وكيف يتلاعبون بمصائر المحيطين بهم في زمن أصبح فيه “التريند” هو المقياس الجديد للأخلاق.

بريق زائف

يُؤكد د. جمال فرويز أن المجتمع هو الضحية الأولى والمسؤول الأول في آن واحد؛ فالمجتمع غالباً ما ينكر وجود هذا الاضطراب في محيطه المباشر، ويرفض تصديق أن الشخص اللبق، الساحر، والناجح في عمله قد يكون بلا ضمير؛ فهذا الإنكار يمنح السيكوباتي حصانة اجتماعية، تسمح له بممارسة ألاعيبه لفترات طويلة، مستغلاً طيبة المحيطين به وحسن ظنهم؛ فالمجتمع يرى المظهر ولا يرى الخلل الدماغي الكامن الذي يلغي لديه مشاعر الندم أو التعاطف؛ فالضرر الذي يخلفه السيكوباتي في بيئته المعيشية هو “كارثة صامتة”؛ ففي محيط الأسرة، يتسبب في تدمير نفسي للشريك والأبناء عبر التلاعب العاطفي المستمر (Gaslighting)، مما يؤدي إلى حالات اكتئاب مزمنة لدى الضحايا. وفي العمل، ينشر ثقافة الخوف والمنافسة غير الشريفة، ويسعى لتدمير كل من يراه منافساً له، مما يؤدي إلى بيئة عمل سامة وانهيار للمؤسسات من الداخل نتيجة الصراعات التي يفتعلها بدم بارد.

دور الأسرة

يُشدد د. فرويز على أن الأسرة هي “المصنع” الذي إما أن ينتج شخصاً سوياً أو وحشاً كاسراً. لافتاً إلى أن التحليل الطبي يشير إلى أن انعدام الرقابة الأسرية في ظل الانفتاح الرقمي، مع تذبذب المعاملة بين “التدليل المفرط” و”القسوة المفرطة”، يخلق بيئة خصبة للسيكوباتية، موضحاً أن الأسرة الواعية هي التي تلاحظ مبكراً ميل الطفل للكذب المرضي أو إيذاء الآخرين دون ندم، وتتدخل طبياً قبل فوات الأوان.

طرق المواجهة

يُقدم د. فرويز روشتة واضحة لمواجهة السيكوباتي؛ أولها نزع سلاح “التعاطف” الذي يستخدمه السيكوباتي كطعم لضحاياه. موضحاً أن المواجهة هنا لا تكون بالصدام المباشر الذي يعشقه السيكوباتي، بل بـ”الانسحاب الهادئ” أو “المواجهة القانونية” الحاسمة، إذ ينصح فرويز بضرورة وضع حدود حديدية لا يمكن اختراقها، وتجنب إعطاء أسرار شخصية لهؤلاء، لأن كل معلومة هي رصاصة سيستخدمها السيكوباتي ضدهم مستقبلاً.

وفيما يخص العلاج، يوضح د. فرويز أن الشخصية السيكوباتية في صورتها المتصلبة يصعب علاجها لأن المريض لا يرى نفسه مخطئاً. ومع ذلك، يركز الطب النفسي في 2026 على “الوقاية الاستباقية” في سن المراهقة عبر برامج تعديل السلوك المكثفة. أما الحالات المتأخرة، فالعلاج يكون عبر “السيطرة على الاندفاع” بالأدوية النفسية وحماية المجتمع عبر العزل الاجتماعي أو الرقابة القانونية.

سيكوباتية “التريند”

يضيف د. فرويز بُعداً جديداً في تحليله، وهو ما يسميه “السيكوباتية الرقمية”؛ حيث يستغل هؤلاء منصات التواصل الاجتماعي للحصول على الشهرة والمادة دون أي اعتبار للقيم. لافتاً إلى وصف هؤلاء بـ”مجانين التريند” الذين قد يصورون مآسي الآخرين أو يفتعلون فضائح أسرية للحصول على “المشاهدات”، وهو تطور خطير للسلوك السيكوباتي الذي وجد في التكنولوجيا الحديثة وسيلة مثالية للتلاعب بالجماهير وتدمير الأخلاق العامة.

في تشريح طبي دقيق، يوضح فرويز أن السيكوباتي يمتلك “قناع عاطفي” متطور جداً، فهو لا يحب، لكنه يدرس جيداً كيف يحب الآخرون، ويقوم بتقليد الحركات والكلمات ببراعة فائقة ليصيد ضحيته. ففي مطلع علاقاته، يكون هو الشخص “المثالي” الذي طالما حلمت به الضحية، لكنه بمجرد أن يسيطر عليها، ينزع القناع ليظهر وجهه الحقيقي المليء بالقسوة والبرود، تاركاً ضحيته في حالة من الذهول والضياع النفسي.

الذكاء الاجتماعي السيكوباتي

يُشير التحليل إلى أن أخطر أنواع السيكوباتيين هم “الأذكياء اجتماعياً”؛ فهؤلاء لا يرتكبون جرائم دموية، بل يرتكبون “جرائم بيضاء” في الشركات والمؤسسات الكبرى؛ حيث يستخدمون ذكاءهم في تسلق المناصب عبر إزاحة الشرفاء، مستخدمين الكذب الممنهج والوشاية والدسائس، إذ يحذر د. فرويز من أن هؤلاء هم الأكثر تدميراً للدول والمجتمعات، لأنهم يعملون في صمت ومن خلف ستار الشرعية والقانون.

إن معركتنا مع الشخصية السيكوباتية، كما رسم ملامحها د. جمال فرويز في حديثه لـ”صوت البلد”، هي معركة “وعي” في المقام الأول؛ فالسيكوباتي يزدهر في الظلام، ويتغذى على جهل الآخرين بسماته. لذا، فإن كشف هذه الأقنعة ورفع الغطاء عن هذه الممارسات هو السبيل الوحيد لحماية المجتمع؛ فالوقاية تبدأ من فهمنا لمن حولنا، ومن قدرتنا على قول “لا” حاسمة في وجه كل تلاعب يستهدف إنسانيتنا وسلامنا النفسي.

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=12563

موضوعات ذات صلة

اكتشاف شجرة بحديقة الحيوان تعالج مرضي السكري

المحرر

استراتيجيات التوعية والإتصال االإعلامي بالقابضة للمياه

المحرر

الأحزاب تشيد بإحباط مخطط حسم الإرهابي

المحرر

قرية حلوة بالمنيا.. نموذج حي لترسيخ ثقافة التسامح

حازم رفعت

شادية الأتاسي: سقوط بشار أشبه بـحلم ولن نصبح كابول

المحرر

أندريه زكي: خدمة الأسرة مسؤولية تتطلب انضباطًا

حازم رفعت