
تُعد ليلة الزفاف بمثابة المرآة الصافية التي تعكس نضج الشريكين وقدرتهما على احتواء هيبة الموقف بوعي وحكمة؛ ففي خضم الزحام وضجيج المهنئين، يبحث القلب عن ملاذه الآمن، وتتطلع النفس إلى تلك اللحظة التي ينغلق فيها الباب على عالمين اجتمعا ليصبحا عالماً واحداً. هنا، تتجلى قيمة السكينة التي جعلها الخالق آية من آياته، فتصبح الكلمة الطيبة هي الوشاح الذي يغلف التوتر، واللمسة الحانية هي الترياق الذي يذيب رهبة البداية.
عبور سيكولوجي
ينبغي الالتفات إلى دور “الوعي النفسي” قبل الولوج إلى عتبة هذه الليلة؛ فالثقافة الزواجية الرصينة هي الدرع الواقي من الصدمات والارتباكات العابرة؛ حيث إن القراءة والاطلاع والاستماع إلى ذوي الخبرة والحكمة يجعل من العروسين أكثر قدرة على استيعاب طبيعة الآخر، وفهم لغة الجسد والروح في تلك اللحظات الحرجة؛ فالمعرفة هنا ليست ترفاً، بل هي ضرورة لتجنب سوء الفهم الذي قد ينشأ من فرط التوتر أو غياب الصراحة، وبذلك تصبح ليلة الزفاف درساً تطبيقياً في فن الاحتواء والتغافل عن الصغائر من أجل بناء العظائم.
وبالانتقال إلى مجهر التحليل النفسي، يقول دكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي: إن ليلة الزفاف تمثل “عبوراً سيكولوجياً” يتطلب تهيئة ذهنية تسبق مراسم الحفل؛ حيث يقع على عاتق الشريكين استبدال صور الخوف النمطية برؤى واقعية تقوم على الملاطفة والاحتواء؛ إذ إن الذكاء الوجداني يتجلى هنا في قدرة الطرفين على تحويل التوتر الطبيعي إلى طاقة تلاحم، عبر تغليب لغة الحوار الهادئ التي تمهد الطريق لسكن دائم. فالسكينة التي ينشدها البيت تبدأ من هذه النقطة، ففيها يمتص الهدوء ضجيج التوقعات العالية، ويحل محلها القبول الذي يرسي قواعد الأمان النفسي.
ويُضيف دكتور جمال فرويز، تبرز ليلة الزفاف كاختبار لصلابة القيم الأسرية في مواجهة طوفان الاستهلاك المعاصر؛ إذ تحولت في بعض جوانبها إلى استعراض للقدرات المالية، مما أدى إلى انحراف البوصلة عن غايتها السامية. إن التحليل السوسيولوجي لهذا التحول ينذر بضرورة العودة إلى ‘أصالة التبسيط’، حيث تكمن عظمة الليلة في قيمة العهد الذي يُقطع، وفي البركة التي تحف الجمع، بعيداً عن المظاهر الزائفة التي تنقضي بانقضاء ساعات الحفل. إن استعادة جوهر ليلة العمر يتطلب وعياً مجتمعياً يدرك أن سعادة الزوجين تُبنى بالاستقرار النفسي، وتقل طردياً مع تزايد أعباء الديون والالتزامات المظهرية.
أما من منظور الخصوصية، فقال “فرويز”: إن ليلة الزفاف تشكل خط الدفاع الأول عن “حرمة البيوت”؛ ففي ظل الانفتاح الرقمي الذي يغري بمشاركة اللحظات الحميمة، تبرز الحاجة إلى وعي يحمي أسرار الغرف المغلقة، مشيراً إلى أن قدسية هذه الليلة تكمن في صمتها الجميل، وفي كونها ملكية خاصة للزوجين لا تقبل الاقتحام من الغرباء أو الفضوليين، لافتاً إلى أن هذا الستر هو الذي يمنح العلاقة حصانة ضد العوامل الخارجية، ويؤسس لبيت يقوم على الثقة المتبادلة، حيث تظل تفاصيل البدايات وقوداً للمودة يستدفئ به الشريكان في مواجهة صقيع الحياة وتقلباتها.
وفي سياق المسؤولية المستقبلية، أوضح استشاري الطب النفسي، أن ليلة الزفاف تُعد “بروفة” عملية لإدارة الأزمات والتكيف مع الآخر؛ إذ يختبر فيها الزوجان لأول مرة قدرتهما على الاندماج الكامل تحت سقف واحد، حيث إن نجاح هذا الاختبار يضع اللبنة الأولى في صرح الأسرة، ويمنح الأجيال القادمة نموذجاً يحتذى به في المودة والرحمة؛ فهي ليلة تختصر العمر كله في ساعات، لتقول لنا إن البناء المتين يحتاج إلى قواعد من الصبر، وأعمدة من التقدير، وسقف من الحب الذي يظلل الجميع بعيداً عن تقلبات الأهواء.
واختتم د.جمال فرويز حديثه؛ مؤكداً أن ليلة الزفاف هي الغرس الأول في بستان العمر، فإذا كان الغرس طيباً سقاه الإخلاص، أثمرت الأيام وداً لا ينقطع وسكناً لا يتبدل؛ فهي ليلة تُكتب بمداد من الصدق، وتُحفظ في ذاكرة الأيام كأجمل الذكريات، شريطة أن تُعاش بروح التفاهم وبصيرة المحبة؛ إذ إن العبرة ليست بضخامة القاعات أو ترف الموائد، بل بصفاء القلوب التي تعاهدت تحت سقف واحد على المضي قدماً في دروب الحياة، يداً بيد، وقلباً بقلب؛ فلتكن ليلة الزفاف إذن هي المنطلق لميلاد إنسان جديد، يرى في شريكه السكن والوطن، ويجد في ظلال بيته الراحة والأمان، ليبقى أريج هذه الليلة فواحاً في أرجاء المنزل ما تعاقب الليل والنهار، شاهدةً على عظمة الرباط الذي جمع بين نفسين في ميثاق لم ولن يعرف الوهن إذا قام على التقوى والمحبة الصادقة.
