
ليلةٌ مغربيةٌ امتزج فيها عبق التاريخ بصخب المدرجات، احتضن فيها ملعب طنجة الكبير فصلاً من فصول الإثارة الإفريقية؛ حيث التقى عنادُ “النيل” بصمود “الأدغال”؛ فلم تكن مواجهة دور الستة عشر مجرد ركضٍ خلف كرة من جلد، بل تجسدت كصراعٍ وجودي بين طموح “صقور الجديان” الجامح، وخبرة “أسود التيرانغا” المتمرسة.
لم يكن أشد المتفائلين يتوقع أن يفتتح السودان السيمفونية بهذا الإيقاع؛ فمنذ الصافرة الأولى، انقض الصقور على المساحات، ونجح “عمرو عبد الله” في هز شباك بطل القارة، مرسلاً رسالةً مفادها أن الأسماء لا تصنع الأمجاد وحدها. كانت لحظةً تجلى فيها الإصرار السوداني، حيث تعانقت الأحلام مع الشباك، وضجت الخرطوم فرحاً خلف الشاشات.
لكن الأسد السنغالي لا ينام طويلاً؛ فسرعان ما استعاد رفاق “باب غاي” توازنهم، وبدأت الآلة السنغالية في الدوران بتروسٍ من حديد، وبحرفيةٍ عالية، استغل السنغاليون هفوات التمركز، ليقلبوا الطاولة قبل أن يلملم الشوط الأول أوراقه. هدفان متتاليان كانا بمثابة “ترياق” للسنغال و”صدمة” للسودان، ليدخل الفريقان غرف الملابس والنتيجة تشير إلى تفوق التجربة على الحماس.
استبسالٌ في وجه الإعصار
دخل المنتخب السوداني الشوط الثاني مدفوعاً بروحٍ قتالية، محاولاً فك شفرة الدفاع السنغالي الحصين، إلا أن فوارق “الرتم” البدني بدأت تظهر جلياً، وبينما كان الصقور يبحثون عن ثغرة للعودة، جاءت الرصاصة الثالثة لتطلق “رحمة الوداع” على الآمال السودانية، وتعلن رسمياً أن السنغال لا تزال الرقم الصعب في القارة السمراء.
خروجٌ بشرف وعبرة للمستقبل
انتهت المباراة بصافرةٍ أعلنت تأهل السنغال لربع النهائي، لكنها لم تعلن انكسار السودان؛ لقد غادر “صقور الجديان” البطولة برؤوسٍ مرفوعة، تاركين خلفهم بصمةً فنية ستظل محفورة في ذاكرة هذه النسخة. أما السنغال، فقد أثبتت أنها تمتلك “شخصية البطل” التي تعرف كيف تمتص الحماس وتدير الأزمات داخل المستطيل الأخضر.
مرونة تروض الاندفاع
لم يكن الفوز السنغالي محض صدفة أو تفوق فردي فحسب؛ بل كان نتاج قراءة تكتيكية متأنية من المهندس “أليو سيسيه”. لقد تعامل سيسيه مع الهدف السوداني المبكر ببرود أعصاب المدرب المخضرم، وسرعان ما أعاد تموضع لاعبيه في وسط الميدان، محولاً الأطراف إلى “أجنحة” كاسحة حسمت المعركة؛ إذ كانت مرونة الرسم التكتيكي السنغالي هي السلاح الفتاك الذي أرهق الصقور، فبينما كان السودان يضغط لاستعادة الكرة، كانت السنغال تباغتهم بمرتداتٍ سريعة ومتقنة قطعت أنفاسهم.
على الجانب الآخر، أظهر المنتخب السوداني تحت قيادة مدربه طموحاً تكتيكياً يستحق الإشادة، متجاوزاً التحديات المعروفة التي تواجه الكرة السودانية؛ فلقد امتلك الفريق لاعبين بمهارات فردية عالية، وبنوا الهجمات من الخلف بجرأة لافتة. إلا أن ما افتقده الصقور كان “العمق البدني” اللازم لمجاراة القوة الجسدية الهائلة للسنغاليين طوال التسعين دقيقة؛ فمع مرور الوقت، بدأت اللياقة البدنية تتراجع، تاركةً مساحات استغلها أبطال إفريقيا بذكاء لتأكيد هيمنتهم.
السنغال تحلق نحو مالي
بينما يغادر السودان المنافسات بشرف ويترك بصمة إيجابية للمستقبل، تواصل السنغال رحلة الدفاع عن عرش القارة، حيث تتحول الأنظار إلى المواجهة القادمة التي لا تقل سخونة: صدام العمالقة أمام منتخب “مالي”، إذ إنه من المتوقع أن تكون هذه المباراة بمثابة اختبار حقيقي لقدرة السنغال على الحفاظ على لقبه، في رهانٍ يتجدد مع كل خطوة تخطوها كتيبة الأسود نحو النهائي الكبير؛ فالمشوار لا يزال طويلاً، ولكن البطل الحالي أثبت أنه يمتلك العزيمة والإصرار للوصول إلى المحطة الأخيرة.
