
في لحظة فارقة من عمر الزمن، وبينما كان العالم يلملم أوراق عامٍ مضى ويستقبل ملامح عامٍ جديد، انفجرت في قلب القارة اللاتينية أحداثٌ تجاوزت في جسارتها حدود التوقعات، لتُعيد رسم خارطة النفوذ العالمي من جديد، حيث إن ما شهدته فنزويلا من عملية عسكرية أمريكية مباغتة استهدفت رأس الهرم السلطوي في كاراكاس، ليس مجرد حدثٍ عابر في نشرات الأخبار، بل هو زلزالٌ جيوسياسي ضرب بقوة في “الحديقة الخلفية” لواشنطن، محطماً قواعد السيادة التقليدية ومحيياً أشباح صراعات الحرب الباردة التي ظن البعض أنها وُريت الثرى.
بين مطارق الطموح الأمريكي لإعادة الانضباط لنصف الكرة الغربي، وسندان الأزمات الاجتماعية الطاحنة التي أرهقت كاهل الشعب الفنزويلي، تبرز تساؤلات حارقة حول مآلات هذا التدخل الجراحي العنيف، فهل نحن أمام استعادة لسيناريوهات تاريخية خلت، أم أننا بصدد تدشين مرحلة جديدة من “الحروب القانونية” التي تطيح بالرؤساء تحت غطاء مكافحة الجريمة الدولية؟
لم يكن فجر الثالث من يناير عام 2026 فجراً عادياً في “كاراكاس”؛ فقد استيقظت جبال الأنديز على دويٍّ أعاد صياغة التاريخ في لحظات، حين نفذت القوات الأمريكية عملية عسكرية خاطفة انتهت باقتياد الرئيس “نيكولاس مادورو” وزوجته إلى مصير مجهول خلف الحدود، إذ إن هذا المشهد، الذي بدا وكأنه فصلٌ مستلٌّ من روايات الواقعية السحرية اللاتينية، ليس إلا ذروة صراعٍ مرير يمتد لعقود بين طموحات “كاراكاس” السيادية وقبضة واشنطن الاستراتيجية.
خرق الأعراف الدولية
لقد اختارت واشنطن أن تضرب عرض الحائط بكل البروتوكولات الدبلوماسية، مستعيضةً عنها بـ”شرعية القوة” ومذكرات التوقيف الجنائية؛ فبينما يرى البيت الأبيض في هذه الخطوة “جراحة استئصالية” لرموز الإرهاب المرتبط بالمخدرات، يرى العالم انقساماً حاداً؛ فبين مباركة أوروبية حذرة وتنديد روسي وصيني غاضب، تقف فنزويلا اليوم أمام فراغ دستوري موحش، حيث ترتعش كراسي السلطة في انتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة، وسط تساؤلات وجودية حول مفهوم السيادة في عالم القطب الواحد.
خلف الأرقام والبيانات العسكرية، يئن الشعب الفنزويلي تحت وطأة مأساة إنسانية بلغت ذروتها؛ فالمجتمع الذي يعاني من تضخمٍ جامح يكاد يبتلع الأخضر واليابس، وجد نفسه اليوم محاصراً بين دوي الانفجارات وظلام انقطاع الكهرباء. إنها رحلة نزوحٍ مستمرة وأحلامٌ معلقة على الحدود؛ حيث يرقب الفنزويليون قدرهم بعيونٍ أرهقها الانتظار، متسائلين إن كان هذا التغيير القسري سيهديهم خبزاً وسلاماً، أم سيفتح عليهم أبواب جحيمٍ جديد من الفوضى.
تاريخٌ يعيد إنتاج نفسه
لا يمكن قراءة أحداث اليوم دون العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1990، حين سقط “نورييجا” في بنما بذات الطريقة وبذات التوقيت تقريباً، حيث إن التاريخ هنا لا يعيد نفسه فحسب، بل يؤكد استمرارية “عقيدة مونرو” التي تعتبر أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ حصرية لا تقبل الشراكة، إذ إن الصراع بين واشنطن وكاراكاس ليس مجرد خلاف على إدارة، بل هو صراعٌ على “الذهب الأسود” الذي تنام عليه الأرض الفنزويلية، وصدامٌ أيديولوجي عميق بين إرث “تشافيز” الثوري والمصالح الأمريكية العليا.
إن ما حدث اليوم في فنزويلا هو زلزال سياسي ستصل ارتداداته إلى أبعد نقطة في الخارطة الدولية؛ فنحن لسنا أمام مجرد عملية اعتقال لرئيس، بل أمام إعادة ترسيم لموازين القوى في نصف الكرة الغربي؛ فالكرة الآن لا تزال تتدحرج في ملعب مجلس الأمن والقوى الكبرى، بينما تبقى “كاراكاس” جريحةً تنتظر من يضمد جراحها أو يكتب الفصل الأخير من حكايتها المثقلة بالآلام.
لا يمكن قراءة الدخان المتصاعد من كاراكاس بمعزل عن براميل النفط الرابضة تحت ثراها؛ ففنزويلا التي تمتلك أضخم احتياطيات الخام في العالم، ظلت دوماً في بؤرة الاستهداف، إذ إن هذه العملية العسكرية ليست مجرد مطاردة لرأس نظام، بل هي محاولة حاسمة لفك الارتباط بين “الذهب الأسود” وبين المحاور المناوئة لواشنطن، وإعادة توجيه بوصلة الطاقة نحو الشمال، في صراعٍ أبدي بين ثروة الأرض وقرار السيادة.
صراع الأقطاب
لقد تحولت الأرض الفنزويلية اليوم إلى رقعة شطرنج كبرى، تتجاوز في أبعادها حدود القارة اللاتينية؛ فالاختراق الأمريكي الأخير هو رسالة مشفرة بالبارود موجهة إلى موسكو وبكين، مفادها أن “الحديقة الخلفية” لم تعد مستباحة للنفوذ الشرقي؛ فهذا الاصطدام الأيديولوجي والجيوسياسي ينذر ببرودٍ جديد في العلاقات الدولية، قد يُعيد العالم إلى أجواء الحرب الباردة، حيث تدفع الشعوب الصغيرة ثمن تجاذبات الكبار.
تجلت في أحداث اليوم ظاهرة “الحرب القانونية” التي باتت واشنطن تتقنها؛ حيث لم يعد إسقاط الأنظمة يتطلب إعلان حرب تقليدية، بل يكفي استصدار مذكرات توقيف جنائية بتهم الإرهاب أو الاتجار بالبشر، إذ إن تحويل رئيس دولة إلى “مطلوب للعدالة” هو تكتيك يهدف إلى تجريد الخصم من شرعيته الأخلاقية قبل العسكرية، مما يجعل العملية تبدو في ظاهرها “إنفاذاً للقانون” وفي باطنها حراكاً سياسياً عنيفاً.
خلف حدود فنزويلا، ترتعد العواصم المجاورة من “تأثير الدومينو”؛ فما حدث في كاراكاس لن يبقى حبيساً داخل أسوارها، إذ إن كولومبيا والبرازيل وغيرهما يقفون اليوم على أطراف أصابعهم، خوفاً من موجات نزوح بشرية غير مسبوقة قد تزعزع استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي، حيث إن سقوط النظام بهذه الطريقة الدراماتيكية قد يفتح الباب أمام جماعات مسلحة وفوضى أمنية عابرة للحدود، تحول المنطقة برمتها إلى بؤرة توتر ملتهبة.
ما بعد الزلزال
يبقى السؤال الأهم معلقاً في هواء كاراكاس المشبع بالبارود: ماذا بعد الرحيل؟ إن التاريخ يعلمنا أن إسقاط الأنظمة بالقوة هو الجزء الأسهل، أما بناء الدول واستعادة السلم الأهلي فهو التحدي الأكبر؛ فنزويلا اليوم أمام اختبار قاسٍ لإرادة شعبها؛ فإما أن تنزلق نحو فوضى أهلية وصراعات داخلية على السلطة، أو أن تجد طريقاً للنهوض من وسط الرماد، لتبني فجراً جديداً بعيداً عن الاستقطاب الخانق والتدخلات العابرة للقارات.
وبينما تنطوي صفحة هذا اليوم المزلزل، تظل أعين العالم معلقةً على أفق “كاراكاس” الذي يلفه الغموض؛ هل ستكون هذه العملية العسكرية جسراً للعبور نحو استقرارٍ مأمول، أم أنها مجرد سطرٍ جديد في كتاب المعاناة الفنزويلية؟ إن الشعوب التي تُسلب إرادتها بين مطارق الخارج وسندان الداخل، تدرك يقيناً أن فجر الحرية الحقيقي لا يُصاغ بقرارات عابرة للحدود، بل يُبنى بسواعد أبنائها حين يقررون استعادة وطنهم من براثن الاستقطاب والضياع.
