لم تكن أروقة المقر البابوي بالقاهرة في صباح عيد الميلاد المجيد مجرد مكان للاستقبالات الرسمية، بل تحولت إلى ساحة نابضة بالحياة، تلاقت فيها ترانيم الفرح مع مشاعر المودة الصادقة. في السابع من يناير، وبابتسامة أبوية معهودة، فتح قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية، قلبه قبل أبوابه ليكون بمثابة “بيت العائلة” الذي يجمع الشمل، حيث امتزجت أصوات الأجراس بدعوات المحبة، وصار العيد لوحة إنسانية تجسد مفهوم الوطن الواحد والروح الجامعة التي تتجاوز حدود المراسم والبروتوكولات.
في باحة الكاتدرائية، تجلى الجانب الإنساني في أبهى صوره؛ حين تداخلت ضحكات الأطفال مع تسابيح الميلاد التي أنشدتها الكورالات، لم يكتفِ قداسة البابا بالمصافحة، بل جعل من الحوار والود لغة يومه، فوزع الهدايا والحلوى بلمسة حانية تمس القلوب قبل الأيدي.
كان المشهد يعكس علاقة فريدة، حيث يصبح “الأب” محورًا لالتفاف أبنائه، وتتحول لحظات اللقاء إلى ذكريات محفورة بالصور والكلمات التي تفيض بالدلالات الروحية والبهجة الخالصة.

دبلوماسية المحبة ورسائل السلام الدولية
تجاوز صدى العيد حدود الجغرافيا المحلية، ليحط رحاله في حضرة ممثلي الهيئات الدولية والدبلوماسية من مختلف القارات.
حضور سفراء دول المكسيك وتشيلي والبيرو، جنبًا إلى جنب مع مسؤولي المنظمات الأممية، أضفى صبغة عالمية على الاحتفال، مؤكدًا أن رسالة الميلاد هي “السلام للأرض”.
هذه اللقاءات لم تكن مجرد بروتوكولات دبلوماسية، بل كانت تأكيدًا على دور الكنيسة المصرية كجسر للتواصل الإنساني ومنارة للسلام التي يرى فيها العالم رمزاً للاستقرار والوئام.

في داخل المقر البابوي، رسمت الشخصيات العامة، من وزراء سابقين ومسؤولين حاليين وقيادات دينية إسلامية ومسيحية، مشهدًا يعكس قوة النسيج الوطني.
حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومحافظ القاهرة والرموز الثقافية والعلمية والقبائل العربية، يبرز القيمة الرمزية التي يمثلها قداسة البابا كقيمة وطنية كبرى.
هي لحظات صمتت فيها السياسة وتحدثت فيها روح الأخوة، حيث جاء الجميع لا للمجاملة، بل للمشاركة في صياغة مفهوم “الفرح المشترك” الذي تعيشه مصر في كل عيد.
ألحان الميلاد.. لغة الروح العابرة للطوائف
لم تكن التهنئة قاصرة على جانب واحد، بل جاء تلاحم الكنائس الشقيقة ليعمق المعنى الروحي للعيد.
استقبال وفد كنيسة الروم الأرثوذكس والكنيسة الإنجيلية بمصر والمركز الكاثوليكي للسينما يعكس وحدة الهدف والرسالة، ومع انتشار نغمات الكورالات في أرجاء الكاتدرائية، توحدت المشاعر تحت سقف واحد، لتعلن أن العيد ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل هو حالة من الصفاء النفسي والوحدة الروحية التي تجمع كل من آمن بقيم الخير والجمال في هذا الوطن.


