ثقافة وأدبسليدر

غازي يفكك صراع الصحافة والتقنية في “خرائط التغيير”

في وقتٍ تموجُ فيه غرفُ الأخبار بتحولاتٍ تقنيةٍ عاصفة تُهددُ الثوابتَ المهنية، يأتي كتاب “الصحافة وخرائط التغيير: سردية الاتصال بين الثورة المعرفية والتقنية” للكاتب الصحفي الدكتور خالد محمد غازي؛ ليمثل “مانيفستو” فكرياً للممارسين والأكاديميين؛ فالكتابُ الصادر عن “وكالة الصحافة العربية”، يتجاوزُ كونه رصداً تاريخياً، ليصبح استشرافاً وجودياً للمهنة في زمن “الذكاء الاصطناعي”، حيث يطرح رؤية نقدية عميقة لثنائية “التقنية المتوحشة والقيم الإنسانية”.

سردية التطور

يستهل “غازي” كتابه برفض قاطع للنظرة التقليدية التي تحبس الصحافة في “زاوية الأرشيف” أو مجرد حكايات فقدت بريقها بمرور الزمن، حيث يرى المؤلف أن التاريخ الإعلامي هو “كائن حي” لا يمكن فهم الحاضر أو استشراف المستقبل دون قراءته بعمق؛ إذ يستعرض المحطات المفصلية في عمر البشرية، بدءاً من “المطبعة” التي لم تكن مجرد آلة لنسخ الحروف، بل كانت “انفجاراً معرفياً” حرر العقل البشري من القيود، وصولاً إلى عصر “الإنترنت” الذي فكك الحدود الجغرافية؛ ليؤكد الكتاب أن كل مرحلة تقنية كانت تحمل في أحشائها “إرهاصات لثورات فكرية واجتماعية”، مما يجعل فهم “الخرائط القديمة” للصحافة شرطاً أساسياً لامتلاك “بوصلة” المستقبل في ظل الفوضى الرقمية الراهنة.

فلسفة التغيير

ينتقل الكتاب إلى منطقة غاية في الأهمية، وهي أثر التقنية على “بنية الخبر” وعلاقته بالمجتمع، حيث يرى الكتاب أن الصحافة ليست مجرد “ناقل صامت” للمعلومات، بل هي “قوة ناعمة” قادرة على إعادة هندسة المجتمعات وتغيير مساراتها؛ إذ يجادل المؤلف بأن الأدوات والأساليب (من التلغراف وصولاً إلى البث المباشر عبر المنصات) قد تتغير، لكن “المهمة الجوهرية” تظل ثابتة وهي تعزيز الوعي. ويحذر المؤلف من الانبهار بالشكل على حساب المضمون؛ فالصحافة في نظره يجب أن تظل “مرآة عاكسة للواقع” بكل تعقيداته، وليست مجرد وسيلة تقنية تلهث وراء “التريند” الزائف، مشدداً على أن المصداقية هي “العملة الصعبة” الوحيدة التي ستبقى في جيب الصحفي المخلص لمهنته.

المصداقية الرقمية

في هذا الفصل، يضع المؤلف يده على الجرح النازف في جسد الإعلام المعاصر: “أزمة الثقة”؛ فيتساءل الكتاب بمرارة: كيف يمكن للصحافة أن تظل “حارساً للحقيقة” في فضاء مفتوح تسكنه “الخوارزميات” المنحازة؟ يرى “غازي” أن الثورة المعرفية وضعتنا أمام مفارقة عجيبة؛ فبقدر ما سهلت الوصول للمعلومة، بقدر ما جعلت “التزييف” ممارسة يومية بسيطة. وهنا يقترح الكاتب “خريطة طريق” أخلاقية تعتمد على استعادة “القيم الإنسانية” التي تأسست عليها الصحافة التقليدية، مؤكداً أن التقنية مهما بلغت ذروتها لا يمكنها تعويض “الحس النقدي” للصحفي، وأن المعركة القادمة ليست معركة “سرعة نقل”، بل معركة “دقة تدقيق” لفرز الحقائق من الأكاذيب الرقمية الممنهجة.

الذكاء الاصطناعي

يقتحم د. خالد غازي ملف “الذكاء الاصطناعي” ودخوله المثير للجدل إلى غرف الأخبار، حيث يرى أننا أمام “وعود براقة” تفتح آفاقاً غير مسبوقة في تحليل البيانات الضخمة وفهم اتجاهات الجمهور، لكنه يحذر بشدة من “تآكل الروح الإنسانية” في النص الصحفي؛ فالكتاب يطرح إشكالية “الصحفي الآلي”، متسائلاً: هل يمكن لآلة أن تمتلك “الخلفية الثقافية” أو “الموقف الأخلاقي” تجاه القضايا الشائكة؟ وهنا يُحذر “غازي” من تحول الصحافة إلى “صناعة باردة” تفتقر للتعاطف البشري، داعياً إلى ضرورة إرساء “ضوابط أخلاقية” تضمن بقاء الإنسان هو “المايسترو” والمحرك الرئيسي للعملية الاتصالية، مهما تطورت لغة الأكواد والخوارزميات.

ويستعرض التحديات التقنية الوجودية التي تواجه المؤسسات الإعلامية في مواجهة “غول التقنية” المتسارع؛ إذ يرى المؤلف أن المشكلة ليست في امتلاك “الأجهزة” الأحدث، بل في “العجز الفكري” عن ملاحقة سرعة التحول. ويطالب الكتاب المؤسسات بالخروج من “منطقة الراحة” وتبني استراتيجيات مرنة تحقق التوازن الصعب بين “السبق التقني” وبين “الحفاظ على القواعد المهنية”. كما يؤكد العمل، أن الفشل في مواكبة التقنية يعني “الانتحار المهني”، لكن الارتماء في حضنها دون بصيرة يعني “فقدان الهوية”، وهو ما يتطلب جيلاً جديداً من الصحفيين “الموسوعيين” الذين يجمعون بين احترافية “الكود” وعمق “الفكر”.

توازن القوى

وفي رؤيته لـ”خرائط المستقبل”، يؤكد غازي أن “الثورة المعرفية” لا تعني غزارة المعلومات، بل القدرة على “صناعة المعرفة”، حيث يرى أن فضاء “السوشيال ميديا” المزدحم خلق حالة من “التسطيح الذهني”، وهنا يأتي دور الصحافة الرصينة لتعيد الاعتبار للتحليل والعمق والقصة الإنسانية الملهمة؛ فالكتاب يدعو إلى “تمكين الصحفي” معرفياً وتقنياً ليكون قادراً على مواجهة “الفوضى المعلوماتية”، مشدداً على أن الصحافة ستظل هي “السلطة الرابعة” الحقيقية فقط إذا نجحت في أن تكون “المرجعية الموثوقة” للجمهور في زمن تاهت فيه ملامح الحقيقة بين ركام البيانات.

خلاصة السردية

يختتم د. خالد محمد غازي كتابه بتفاؤل حذر، مؤكداً أن “موت الصحافة” أسطورة يروجها غير المدركين لطبيعة البشر التواقة للحقيقة. كما يرى أن “خرائط التغيير” هي عملية “هدم وبناء” مستمرة، وأن الناجين في هذه الرحلة هم من يمتلكون القدرة على “التكيف الإبداعي”.

يُعد كتاب “الصحافة وخرائط التغيير” وثيقة تاريخية واعلامية بالغة الأهمية في مسيرة د. خالد غازي؛ إذ قد نجح في صياغة “سردية” تربط الماضي التليد بالمستقبل الغامض، مقدماً وجبة دسمة من الأسئلة التي يجب أن تجيب عليها الأجيال القادمة من الإعلاميين. فهذا الإصدار ليس مجرد ورق مطبوع، بل هو “خارطة طريق” لكل من يؤمن بأن الكلمة الصادقة هي أقوى سلاح في مواجهة عواصف التغيير، وأن الصحافة ستبقى هي “نبض الحقيقة” في جسد الإنسانية، مهما تعددت الوسائط وتطورت التقنيات.

أيمن مصطفى

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=15404

موضوعات ذات صلة

إعادة برمجة خلايا الجلد: أمل جديد لضحايا الحروق

المحرر

المراهنات الرياضية.. متعة عابرة أم جريمة مكتملة الأركان؟

محمود المهدي

الزراعة: يوجد 125 ألف طن أسمدة رصيد في الجمعيات

المحرر

د. أنور حلمي: الروبوت الجراحي طفرة طبية هائلة

المحرر

مثقفون يقدمون روشتة للارتقاء بالذوق العام

المحرر

ارتجاع المريء.. دليل شامل للتشخيص والعلاج

المحرر