رياضةسليدر

فرحة النصر.. في افتتاحية كأس الأمم الإفريقية 2025

في زمنٍ باتت فيه الشاشات والجدران الافتراضية تعمق العزلة وتفرق القلوب، جاءت صافرة النهاية في مباراة مصر الافتتاحية بكأس الأمم الإفريقية 2025 لتعيد نبض الحياة إلى الشارع المصري؛ فلم يكن الفوز المثير على زيمبابوي بنتيجة 2-1 مجرد ثلاث نقاط في بطولة قارية، بل كان “حدثاً اجتماعياً” بامتياز، أثبتت فيه الساحرة المستديرة مرة أخرى أنها القوة الناعمة الوحيدة القادرة على توحيد ملايين المصريين على اختلاف طبقاتهم وأعمارهم ومناطقهم الجغرافية؛ فهذه الفرحة العارمة التي اجتاحت المدن المصرية لم تكن احتفالاً رياضياً عادياً، بل كانت متنفساً جماعياً أعاد رسم ملامح الوحدة الوطنية، ورمّم الكثير من التصدعات النفسية والاجتماعية التي خلفتها ضغوط الحياة اليومية، ليصبح “النصر الكروي” هو الترياق الشعبي الذي تشتد الحاجة إليه في زمن التباعد.

عودة “اللمة”

في ظل طغيان وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت كل فرد يعيش في جزيرة منعزلة، أعاد فوز المنتخب “اللمة” العائلية والمجتمعية، حيث امتلأت المقاهي والبيوت، ليس فقط لمشاهدة المباراة، بل لاستعادة طقس اجتماعي افتقده الكثيرون؛ وهو الانفعال الجماعي، الصراخ الموحد عند الهدف، والحزن المشترك عند ضياع الهجمة. لقد نجح “الفراعنة” في سحب المصريين من هواتفهم إلى أحضان بعضهم البعض.

كان لافتاً في احتفالات الأمس تواجد جيل “الزد” (Gen Z) وجيل “ألفا” جنباً إلى جنب مع كبار السن، فهذا الفوز خلق جسراً من التواصل بين أجيال تختلف في كل شيء (الموسيقى، اللغة، التفكير)، لكنها تتفق على حب “قميص المنتخب”، إذ إن كرة القدم قد أصبحت اللغة المشتركة التي يفهمها الحفيد والجد دون الحاجة لمترجم.

“بهجة الرصيف”

اجتماعياً، يعمل فوز المنتخب كمتنفس للضغوط اليومية، ففي ليلة الفوز، تختفي الفوارق الطبقية؛ فالغني والفقير يهتفون لنفس الهدف، حيث إن هذه “الحالة من السيولة الاجتماعية” تمنح الشارع المصري طاقة إيجابية تكسر رتابة الحياة وتجدد الأمل والشعور بالقدرة على الإنجاز، وهو ما ينعكس إيجابياً على الروح المعنوية العامة في اليوم التالي في أماكن العمل والمدارس.

إحدى أهم الوظائف الاجتماعية للرياضة هي قدرتها على توليد “الأمل الجمعي” في المجتمعات التي تواجه تحديات اقتصادية أو سياسية؛ فيصبح الفوز الرياضي رمزاً للقدرة على “تجاوز المستحيل” وقلب الطاولة على الظروف الصعبة، فهدف محمد صلاح القاتل لم يكن مجرد كرة في الشباك، بل كان رسالة مشفرة للمصريين بأن “الأمل موجود حتى الثانية الأخيرة”، وهو ما يغذي الروح المعنوية العامة ويدفع الناس لمواجهة تحديات حياتهم اليومية بنفس الروح القتالية.

لم تعد مدرجات المشاهدة حكراً على الرجال هذا العام، حيث كان لافتاً الحضور القوي للعائلات والسيدات في المقاهي وأمام الشاشات الكبيرة في الشوارع، إذ إن هذا التحول الاجتماعي يؤكد أن كرة القدم باتت نشاطاً ترفيهياً عائلياً بامتياز؛ يكسر القوالب النمطية السابقة ويعزز من الشمول الاجتماعي في المشاركة الوجدانية والتشجيع، مما يضيف بعداً جديداً للحمة المجتمع المصري.

الهوية الوطنية

في عصر العولمة الذي يذيب الخصوصيات الثقافية، يأتي تشجيع المنتخب ليعيد تذكير الفرد بهويته وجذوره؛ فالأعلام التي رُفعت في شوارع المحافظات من أسوان إلى الإسكندرية ليست مجرد قطعة قماش، بل هي إعلان اجتماعي عن الانتماء لكيان أكبر، وهو ما يعزز التماسك الوطني في مواجهة التحديات المعاصرة.

إن فرحة المصريين بفوز منتخبهم في افتتاحية كأس الأمم الإفريقية 2025 ليست مجرد احتفال رياضي، بل هي تظاهرة اجتماعية تؤكد أن الروح الجماعية لا تزال تنبض في قلب “المحروسة”، حيث قد أثبتت الساحرة المستديرة أنها لا تزال تملك المفتاح السحري لفتح أبواب القلوب المغلقة وتوحيدها تحت راية واحدة.

ومن الظواهر الاجتماعية الفريدة التي تصاحب هذا الفوز هي حالة “التسامي” التي سيطرت على التعاملات اليومية عقب المباراة، فتلاحظ بوضوح انخفاض حدة المشاحنات في المواصلات العامة وبالقرب من الأسواق؛ حيث يطغى “المزاج العام الإيجابي” على السلوك الفردي، فالفوز يمنح الناس قدرة أكبر على التسامح وتبادل الابتسامات مع الغرباء، مما يعيد تعريف الشارع المصري كمكان للألفة والمودة بدلاً من كونه ساحة للتسابق والضغوط.

لا ينفصل الاقتصاد عن الاجتماع في هذه المناسبات، حيث تخلق الفرحة حركية اقتصادية شعبية واسعة؛ فبائعي الأعلام، وأصحاب الحرف اليدوية، والمقاهي البسيطة في الأحياء الشعبية، جميعهم ينتعشون بفضل هذا النصر، إذ إن هذا النوع من “الاقتصاد الاحتفالي” يساهم في توزيع الدخل بشكل عفوي داخل الأحياء الفقيرة، ويحول الفرحة الكروية إلى وسيلة لدعم الأسر المنتجة والبسطاء، مما يعزز الشعور بالرضا والتكافل الاجتماعي.

العمل الجماعي للنشء

اجتماعياً، يُقدم الفوز في اللحظات الأخيرة درساً تربوياً غير مباشر لملايين الأطفال الذين يتابعون المباراة، حيث يتعلم الصغار من خلال متابعة أداء اللاعبين أهمية “الروح القتالية” والالتزام بالخطة الجماعية لمديرهم الفني حسام حسن، إذ إن هذه القيم تنتقل من المستطيل الأخضر إلى عقولهم لتصبح جزءاً من تشكيلهم الاجتماعي؛ فالنجاح لا يأتي بالصدفة بل بالتنظيم، والصبر، والعمل بروح الفريق الواحد، وهو ما تحتاجه أي أمة لبناء مستقبلها.

إن فرحة المصريين بفوز منتخبهم في افتتاحية كأس الأمم الإفريقية 2025 ليست مجرد احتفال رياضي، بل هي تظاهرة اجتماعية تؤكد أن الروح الجماعية لا تزال تنبض في قلب “المحروسة”، حيث قد أثبتت الساحرة المستديرة أنها لا تزال تملك المفتاح السحري لفتح أبواب القلوب المغلقة وتوحيدها تحت راية واحدة.

 

 

 

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://www.baladnews.com/?p=9672

موضوعات ذات صلة

سيكولوجية الضغينة

أيمن مصطفى

يورشيتش يفتح الباب أمام مواهب بيراميدز

محمد عطا

فريد الأطرش يعود إلى الذاكرة… لإحياء أسطورة العود

حسن عبدالعال

التعليم : إجراءت جديدة لإصلاح ا”لمنظومة” في ٢٠٢٦    

اسماء ابوبكر

أيمن يونس: الزمالك يحتاج تغيير العقول لإدارة النادي

محمود المهدي

الاكتئاب.. أبعاد ومعالجة

المحرر