
ترجل الفارس عن صهوة ميكروفونه، وغاب الصوت الذي طالما كان ضيفاً عزيزاً على بيوت المصريين لعقود؛ حيث قد ودعت مصر ومعها الأسرة الإعلامية العربية، الإذاعي القدير فهمي عمر، “شيخ الإذاعيين” ورئيس الإذاعة المصرية الأسبق، الذي رحل عن عمر ناهز 98 عاماً، مخلفاً وراءه مدرسة متفردة في فنون القول والإدارة والوطنية.
لم يكن الشاب القادم من قرية “الرئيسية” بمركز نجع حمادي في محافظة قنا، يعلم أن دراسته للحقوق ستكون مجرد تمهيد لمسيرة قضائية من نوع آخر، حيث أطلق أحكامه عبر الأثير دفاعاً عن قيم التنوير والوطنية، حيث التحق بالإذاعة عام 1950، ليكون شاهداً على تحولات كبرى، محولاً لكنته الصعيدية الرصينة إلى ماركة مسجلة للثقة والوقار الإعلامي.
ذاكرة وطن
يُعد الراحل “خزانة أسرار” القرن العشرين؛ ففي صبيحة 23 يوليو 1952، كان هو من استقبل الضباط الأحرار في مبنى الإذاعة بالشريفين، وساهم في ترتيب بث البيان الأول. ولم تتوقف مسيرته عند هذا الحد، بل كان صوته بمثابة “ترمومتر” الشارع المصري في نكسة 1967، ثم كان من أوائل الذين زفوا بشائر النصر في حرب أكتوبر 1973، مؤكداً أن المذيع ليس مجرد ناقل للخبر، بل هو شريك في صناعة الحدث.
إلى جانب الجدية السياسية، كان لفهمي عمر دور ريادي في تطوير القوى الناعمة المصرية؛ فهو الأب الروحي لبرنامج “ساعة لقلبك”، الذي قُدم من خلاله عمالقة الكوميديا مثل فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي. كما وضع حجر الأساس للمنظومة الرياضية الإذاعية، وظل تعليقه على مباريات كرة القدم يجمع بين الثقافة اللغوية والروح الرياضية السامية، مما جعله “شيخ المعلقين” بلا منازع.
حين تولى رئاسة الإذاعة (1982-1988)، لم يدرها بعقلية الموظف، بل برؤية المبدع، فاستحدث شبكات إذاعية متخصصة وقرّب المسافات بين الميكروفون والمواطن البسيط. ولم يقتصر عطاؤه على الإعلام، بل امتد لتمثيل أبناء دائرته في البرلمان لعدة دورات، فكان صوتاً للحق تحت القبة كما كان صوتاً للتنوير عبر الأثير.
يرحل فهمي عمر جسداً، لكنه يبقى منهجاً يُدرس في كليات الإعلام، حيث قد رحل “الرجل الذي لم يخطئ قط خلف المايك”، تاركاً لتلاميذه إرثاً من الانضباط، وللمستمعين ذكريات لا تموت، وللوطن تاريخاً حكاه بصوت لن يتكرر.
