
يشهد الموسم الدرامي الحالي انطلاق مسلسل «كان ياما كان»، الذي يختار أن يضع الأسرة في قلب المشهد، عبر حكاية اجتماعية ذات طابع إنساني عميق، تمزج بين العلاقات العائلية المعقدة والصراعات النفسية والتحولات الاجتماعية التي تفرض نفسها على تفاصيل الحياة اليومية.
منذ حلقاته الأولى، يعلن العمل انحيازه إلى الدراما القريبة من الواقع، حيث لا يعتمد على مفاجآت صاخبة بقدر ما يستند إلى بناء متدرج للأحداث، يكشف طبقات الشخصيات ببطء وثقة. تبدأ القصة داخل بيت يبدو مستقرًا نسبيًا، قبل أن يقلب حادث مفاجئ موازين الأمور، ليصبح نقطة تحول تكشف هشاشة الروابط أحيانًا، وقوتها المفاجئة في أحيان أخرى.
لا يتوقف المسلسل عند حدود الأزمة الظاهرة، بل يتوغل في أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والذاكرة والانتماء. الأسرة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل كيان حيّ يتغير ويتأثر بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ويتعرض لاختبارات أخلاقية قاسية تفرض على كل فرد مواجهة ماضٍ حاول الهروب منه، أو قرارات لم يكن مستعدًا لتحمل نتائجها.
وتتصاعد الحبكة مع اكتشاف وثائق قديمة تكشف علاقة خفية تربط أحد أفراد العائلة بماضٍ معقد، لتشتعل سلسلة من المواجهات التي تتراوح بين العاطفي والقانوني. ومع كل حلقة، تتبدل الأدوار وتتغير موازين القوة داخل البيت الواحد، ويبرز السؤال المركزي: إلى أي مدى يمكن للروابط العائلية أن تصمد أمام الحقيقة؟
يقدم ماجد الكدواني شخصية الأب الذي يسعى للحفاظ على تماسك الأسرة رغم الضغوط المتزايدة. يجسد نموذج الرجل الممزق بين مسؤولياته وطموحاته، معتمدًا على أداء قائم على التفاصيل الدقيقة والانفعالات الصامتة، حيث يصبح الصمت أبلغ من الحوار، وتتحول النظرات إلى مرآة لصراع داخلي محتدم.
في المقابل، تجسد يسرا اللوزي دور الأم التي تنتقل من موقع الداعم التقليدي إلى محور أساسي في الصراع، بعدما تجد نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات حاسمة لحماية أسرتها. رحلتها تعكس تحولات المرأة داخل المجتمع، بين التمسك بدورها الأسري والسعي للحفاظ على مساحتها الشخصية، مقدمة شخصية تمر بمراحل من الشك والقوة والانكسار.
وتضيف عارفة عبد الرسول بعدًا دراميًا مختلفًا من خلال شخصية الجدة، التي تمثل ذاكرة العائلة وحكمتها، لكنها تحمل في طياتها أسرارًا قديمة تعود لتؤثر على الحاضر. حضورها يربط بين الماضي والآن، ويؤكد أن الذاكرة ليست مجرد حكايات تُروى، بل إرث نفسي يمتد أثره عبر الأجيال.
أما خط الأبناء، فيمنح العمل حيوية خاصة، حيث تقدم نهى عابدين شخصية امرأة شابة تبحث عن صوتها الخاص وسط شبكة من التوقعات العائلية، فيما تجسد يارا يوسف فتاة تصارع لإثبات ذاتها في مجتمع لا يمنح الفرص بسهولة. ويعكس ظهور جالا هشام وريتال عبد العزيز صورة جيل جديد يعيش بين رغبة الاستقلال والخوف من فقدان الانتماء، في صراع دائم بين الحرية والمسؤولية.
الواقع بدون تجميل
المسلسل يبتعد عن الخطاب المباشر، ويطرح قضاياه — من فجوة الأجيال وضغوط العمل إلى تأثير الماضي على الحاضر — عبر مواقف طبيعية تنبع من صميم الحياة اليومية. ومع اقتراب منتصف الموسم، تصل التوترات إلى ذروتها مع انكشاف الحقيقة كاملة، ما يفرض على الشخصيات إعادة تقييم اختياراتها ومواجهة أنفسها قبل الآخرين.
وعبر ماجد الكدواني عن حماسه للعمل، مؤكدًا أن المسلسل «يطرح أسئلة حقيقية عن معنى الأسرة، وعن المساحات التي نخفي فيها ضعفنا»، بينما أشارت يسرا اللوزي إلى أن النص «يقترب من واقع البيوت المصرية دون تجميل أو مبالغة». من جهتها، أوضحت عارفة عبد الرسول أن الماضي في هذا العمل «قوة حية تؤثر في الحاضر»، في حين أكد المنتج أحمد الجنايني أن الهدف هو تقديم دراما تمس الجمهور بصدق بعيدًا عن الافتعال.
ومع اتجاه الأحداث نحو مواجهة كبرى تجمع أفراد العائلة، تصبح المصارحة السبيل الوحيد للنجاة. لا تقدم النهاية حلولًا مثالية، بل تفتح باب التأمل في معنى الغفران وإعادة البناء، مؤكدة أن الأسرة — رغم الشقوق — تظل قادرة على التعافي إذا توفرت الإرادة.
«كان ياما كان» لا يكتفي بسرد حكاية بيت يمر بأزمة، بل يضع المشاهد أمام مرآة لأسئلة أكبر: ماذا يبقى من الروابط عندما تُكشف الحقيقة كاملة؟ وهل يمكن للألم أن يتحول إلى بداية جديدة؟ أسئلة يتركها العمل مفتوحة، في تجربة درامية تراهن على الصدق الإنساني وعمق الأداء.
