
مع إشراقة شمس الأيام الأخيرة من عام 2025، يرتدي العالم حلةً من الضياء، وتتسلل ترانيم الميلاد لتملأ الأزقة والبيوت بدفءٍ يكسر صقيع الشتاء، معلنةً قدوم “الكريسماس”؛ ذلك العيد الذي يتجاوز بكونه مجرد تاريخ على التقويم، ليصبح حالةً إنسانيةً جامعة تخترق حدود الجغرافيا واللغات. في هذا العام، لا يطلُّ الميلاد كذكرى دينية وتاريخية فحسب، بل يأتي كوقفة تأملٍ ضرورية في زمنٍ طغت فيه الرقمنة على المشاعر، ليعيد تذكيرنا بأن أثمن ما نملك هو “اللقاء الإنساني” الصادق.
منذ أن أُشعلت أول شمعة في بيت لحم، وصولاً إلى أضواء “تايمز سكوير” الصاخبة وغابات الصنوبر في أوروبا، ظلت روح الميلاد ثابتة في جوهرها: رسالة سلامٍ سماوية، ودعوة للحب غير المشروط. وفي كريسماس 2025، نجد أنفسنا أمام لوحة فريدة؛ حيث تعانق التكنولوجيا الفائقة عراقة الطقوس المتوارثة، وحيث تبحث الأسرة بين طيات الهدايا وزينة الشجر عن لحظة سكينة تعيد ترميم ما أفسدته ضغوط الحياة المعاصرة. إنه العيد الذي يجمع شتات القلوب حول مائدة واحدة، ويُحيي في النفوس أملاً متجدداً بأن غداً أجمل، مهما بلغت التحديات.
في السطور التالية، نبحر في تفاصيل هذا الاحتفال العالمي، لنستكشف كيف احتفت شعوب الأرض ببهجة الميلاد في عامنا هذا، وكيف ظلت الأسرة هي الحصن الأخير لمشاعر الود والتراحم.
بينما تكتسي العواصم العالمية باللونين الأحمر والأخضر، وتحتضن الساحات العامة أشجار الميلاد الشاهقة، يطل علينا كريسماس 2025 حاملاً معه نكهة خاصة تمزج بين الحنين إلى الماضي العتيق والتطلع إلى مستقبل أكثر دفئاً؛ فلم يعد العيد مجرد مناسبة دينية أو تقليد سنوي، بل تحول في هذا العام إلى “ملاذ إنساني” يبحث فيه الجميع عن لحظة سكون وسط تسارع الحياة الرقمية.
رسائل الوحدة
تميزت احتفالات هذا العام بتركيز لافت على قيم “الوحدة في التنوع”؛ ففي رسالته الميلادية من كنيسة “وستمنستر”، دعا الملك تشارلز الثالث إلى ضرورة التعرف على “الجيران” وبناء جسور التواصل في عالم تنهكه الانقسامات. وفي الشرق الأوسط، جسدت الكنائس والمساجد صوراً للتلاحم الإنساني، حيث تحولت بعض دور العبادة في غزة إلى مراكز إيواء تجسد روح الميلاد في أبسط وأعمق صورها: الإيواء والمشاركة.
شجرة الميلاد: تاريخ يتجدد
تظل شجرة الكريسماس أيقونة العيد التي لا تغيب؛ حيث تعود جذور هذا التقليد إلى القرن الثامن الميلادي حين استخدمها القديس بونيفاس كرمز للحياة الأبدية؛ وفي عام 2025، شهدنا عودة قوية “للأشجار المستدامة”، حيث اتجهت الأسر لاستخدام مواد طبيعية ومعاد تدويرها، تعبيراً عن الوعي البيئي الذي بات جزءاً من ثقافة الاحتفال الحديثة.
من “الديجيتال” إلى “الواقعي”
رغم التطور التقني الهائل، برزت في كريسماس 2025 صرخة تدعو إلى “التخلص من السموم الرقمية” (Digital Detox). حيث فضلت العديد من العائلات إغلاق الهواتف والعودة إلى الألعاب الجماعية التقليدية وصنع الزينة يدوياً، حيث طغت الألوان الهادئة مثل الأخضر الغامق والرمادي الفضي على الديكورات، مبتعدة عن الزخارف البراقة المعتادة، لتعكس رغبة الناس في الهدوء والسكينة.
السياحة والبهجة العربية
لم تكن المدن العربية ببعيدة عن هذا الزخم، حيث سجلت مدينة شرم الشيخ توافداً كبيراً للسياح الذين احتفلوا بمواكب “الملوك الثلاثة” وبابا نويل تحت شمس الشتاء الدافئة. كما شارك النجوم العرب جمهورهم لقطات عائلية دافئة، مؤكدين أن جوهر العيد يكمن في اللمة العائلية؛ ليبقى الكريسماس في 2025 تذكيراً بأن البشرية، مهما بلغت من التطور، ستظل دائماً بحاجة إلى تلك القيم الأساسية: الأمل، المحبة، والرحمة. إنه الوقت الذي يتوقف فيه العالم قليلاً ليعيد اكتشاف إنسانيته في عيون طفل، أو في ضوء شمعة، أو في دعوة صادقة بالسلام لكل شعوب الأرض.
مائدة الميلاد
تظل مائدة عشاء الميلاد هي “القلب النابض” للاحتفال الأسري؛ ففي عام 2025، لم تعد المائدة مجرد استعراض للأطباق التقليدية كالديك الرومي وفطائر اللحم، بل تحولت إلى طقس يشارك فيه الصغار والكبار على حد سواء؛ إذ إن إعداد الطعام جماعياً بات وسيلة لاستعادة الترابط العائلي، حيث تُتَبَادَلُ الوصفات المتوارثة بين الأجداد والأحفاد، مما يمنح الوجبة قيمة عاطفية تتجاوز المذاق.
طقوس “فتح الهدايا”
تحول تقليد تبادل الهدايا في 2025 من مجرد استهلاك مادي إلى رسائل تقدير شخصية. وقد برزت ظاهرة “هدايا التجارب” (Experience Gifts)، حيث تقدم الأسر لبعضها البعض تذاكر لرحلات أو ورش عمل فنية تجمعهم معاً لاحقاً؛ فلحظة فتح الهدايا تحت الشجرة في صباح العيد لا تزال تحمل ذلك السحر القديم، حيث تعلو صيحات الفرح وتتجدد أواصر الامتنان بين أفراد الأسرة.
السينما المنزلية
برزت في احتفالات هذا العام صيحة “البيجامات العائلية الموحدة” التي يرتديها الجميع من الأب إلى أصغر طفل، مما يخلق أجواءً من الألفة والمرح؛ حيث تختتم العائلات يومها بالالتفاف حول الشاشات لمشاهدة أفلام الكريسماس الكلاسيكية أو العروض السينمائية الجديدة لعام 2025، في طقس يكرس مفهوم “المنزل كحضن آمن” بعيداً عن صخب الشوارع والعمل.
الزينة اليدوية
بدلاً من شراء الزينة الجاهزة، اتجهت الكثير من العائلات في 2025 نحو “صناعة البهجة يدوياً”. خصصت الأسر ساعات قبل العيد لصناعة كرات الزينة وكتابة أسماء أفراد العائلة عليها، وهو ما أضفى لمسة شخصية فريدة على أشجار الميلاد. هذه الأنشطة لم تكن مجرد تمضية للوقت، بل كانت جلسات علاجية تقوي المهارات الإبداعية للأطفال وتخلق ذكريات تدوم طويلاً.
التواصل العابر للقارات
بالنسبة للعائلات التي فرقها السفر؛ فقد شهد كريسماس 2025 استخداماً إنسانياً فائقاً للتقنية؛ حيث أصبحت “الموائد الافتراضية” عبر تقنيات الهولوجرام والاتصال المرئي عالي الجودة وسيلة لجمع المغتربين بأهاليهم؛ حيث لم يعد البُعد الجغرافي عائقاً، إذ تشاركت العائلات لحظات الصلاة والضحك وتناول العيد عبر الشاشات، مما أثبت أن روح العيد تتجاوز الحدود والمساحات.
